الشيخ عكرمة صبري: إغلاق "الأقصى" يتعارض مع حرية العبادة ويثير الريبة والشك خاصة أن الحياة في الأسواق والمساجد الأخرى قائمة ومتفاعلة
د. أحمد الطيبي: التعامل بعنف مع المصلين عند باب الساهرة وفي مداخل كنيسة القيامة وفي المقابل غض الطرف عن التجمعات اليهودية يؤكد الدوافع العنصرية
نائلة الوعري: ما تقوم به سلطات الاحتلال يندرج في إطار فرض السيطرة وتثبيت وقائع جديدة على الأرض عبر السعي إلى تكريس هيمنة شاملة على القدس
خالد زبارقة: الذرائع التي يسوقها الاحتلال غير حقيقية وتُستخدم غطاء لتمرير سياسات تستهدف المسجد في ظل انشغال العالم بالحرب
إيهاب الجلاد: تنظيم الدخول إلى المسجد وترتيب شؤون الصلاة يجب أن يكونا من اختصاص الأوقاف الإسلامية التي تراعي سلامة المصلين وليس الجهات الإسرائيلية
صلاح زحيكة: "الأقصى" و"القيامة" رمزان للهوية الروحية والإنسانية للعالم والقدس قلب الصلاة والحرية الروحية تُحاصر ويُحرم أهلها من أبسط حقوقهم
د. أمجد شهاب: "الأقصى" رمز عريق للإيمان والتاريخ وحمايته حق غير قابل للنقاش وحرية العبادة حق إنساني تكفله القيم والمواثيق الدولية
خاص بـ "القدس"-
تعمقت معاناة المقدسيين في ظل فرض الاحتلال قيوداً في المدينة وإغلاق المسجد الأقصى، الذي تواصل أربعين يوماً، وكذلك إغلاق كنيسة القيامة، في سابقة غير معهودة منذ عقود طويلة، ما أدى إلى إفراغ قسري لهذين الرمزين الدينيَّين والتاريخيَّين، فيما فقدت البلدة القديمة حيويتها المعتادة خلال ليالي رمضان وعيد الفطر وخلال أسبوع الآلام وعيد الفصح، بعدما كانت تضج بمئات آلاف المصلين والحجاج.
ويؤكد مراقبون وقانونيون وسياسيون ورجال دين في أحاديث لـ"القدس" أن إغلاق المسجد الأقصى إلى جانب منع المسيحيين من الصلاة في كنيسة القيامة أمر يثير الريبة والشك، ويمثل انتهاكًا صارخًا لحرية العبادة، محذرين من أن ما قامت به سلطات الاحتلال يندرج في إطار فرض السيطرة وتثبيت وقائع جديدة على الأرض، عبر السعي إلى تكريس هيمنة شاملة على المدينة المقدسة.
"الأقصى" يجب أن يكون مفتوحاً
يؤكد خطيب المسجد "الأقصى" الشيخ عكرمة صبري أن استمرار إغلاق المسجد حتى هذه الأيام أمر يثير الريبة والشك، خاصة أن الحياة في الأسواق والمساجد الأخرى قائمة ومتفاعلة، ما يعني أنه لا مبرر لاستمرار هذا الإغلاق.
ويشير إلى أن القيود المفروضة على المسجد "الأقصى" تتعارض مع حرية العبادة، كما تتنافى مع القوانين والأعراف الدولية، ويوضح أن "الأقصى" يجب أن يكون مفتوحاً، وهو ما طالبوا به مرارًا ولا يزالون يطالبون به.
ويُحمّل الشيخ صبري السلطات القائمة بالاحتلال مسؤولية حرمان مئات الآلاف من المسلمين من الصلاة في المسجد "الأقصى"، ويشير إلى أن هذا الحرمان مستمر منذ يوم الإغلاق وحتى الآن.
وفيما يتعلق بالدعوات والحملات المطالِبة بفتح المسجد، يثمن الشيخ صبري هذه الدعوات التي تدعو إلى إعادة فتح الاقصى، لكنه يشدد على ضرورة وجود ضغط رسمي ودبلوماسي على سلطات الاحتلال من أجل التراجع عن إجراءاتها بحق "الأقصى"..
ويضيف: إن إغلاق المسجد "الأقصى" انعكس سلباً على البلدة القديمة، حيث شُلّت الحركة التجارية، وأُغلقت معظم المحال حتى اليوم.
لا توجد أي مبررات أمنية
يقول رئيس كتلة الجبهة والعربية للتغيير، النائب د. أحمد الطيبي: "إن قرار المحكمة العليا الاسرائيلية الذي يسمح بتنظيم تظاهرات بمشاركة ما يصل إلى 600 شخص، إلى جانب احتفالات "عيد المساخر" (البوريم) الحاشدة التي مرت دون أي عوائق، يكشف مرة أخرى الحقيقة بوضوح: لا توجد أي مبررات أمنية للقيود المفروضة في المسجد "الأقصى"، بل هو انتهاك صارخ لحرية العبادة."
ويضيف الطيبي: "الشرطة تتعامل بعنف وقوة مع المصلين عند باب الساهرة وفي مداخل كنيسة القيامة، في حين تغض الطرف عن التجمعات اليهودية الأخرى. هذا إنفاذ انتقائي عنصري للتعليمات ينبع من دوافع سياسية عنصرية محضة.
ويطالب الطيبي بفتح أبواب المسجد "الأقصى" وكنيسة القيامة أمام المصلين بشكل فوري ودون قيود والسماح للجنة الاوقاف الإسلامية بالقيام بدورها ووظيفتها في المسجد".
ذرائع واهية وكاذبة
تؤكد الباحثة والمؤرخة في تاريخ القدس نائلة الوعري أن استمرار إغلاق المسجد "الأقصى" وحرمان المسلمين من العبادة فيه، إلى جانب منع المسيحيين من الصلاة في كنيسة القيامة، يمثل انتهاكًا صارخًا لحرية العبادة، مشددة على أن الصلاة شأنٌ روحيٌّ خالص بين العبد وربّه.
وتوضح الوعري ابنة القدس أن تبريرات الاحتلال بمنع الصلاة بذريعة الحماية من الصواريخ هي "ذرائع واهية وكاذبة"، لا سيما أن هذه المخاطر لا تطول الكُنس اليهودية ولا ساحة البراق ولا أماكن العمل والأسواق، ما يكشف عن أهداف سياسية تتجاوز الادعاءات الأمنية.
وتضيف: إن ما تقوم به سلطات الاحتلال يندرج في إطار فرض السيطرة وتثبيت وقائع جديدة على الأرض، ليس فقط من خلال إجراءات التقاسم الزماني والمكاني في المسجد "الأقصى"، بل عبر السعي إلى تكريس هيمنة شاملة على المدينة المقدسة، في تكرار لوقائع تاريخية شهدها "الأقصى" خلال فترات سابقة.
وتبين الوعري أن هذه السياسات تستهدف أيضًا إضعاف الدور الشعبي الفلسطيني، عمومًا، والمقدسي على وجه الخصوص، في حماية المقدسات، في ظل تصاعد اقتحامات المستوطنين المتطرفين.
وتختتم الباحثة الوعري حديثها لـ"ے" بالقول إن "الحزن الأكبر أننا لم نعد نجد الكلمات للتعبير عما يجري، فجهاد الكلمة يحتاج إلى دعم الزحف البشري"، مشيرة إلى أن الأخبار المؤلمة لا تزال تتوالى من القدس، في ظل إقامة شعائر تلمودية داخل كنيس الخربة في البلدة القديمة، قرب باب الخليل (حارة طريق الأرمن)، في وقت يبقى فيه المسجد "الأقصى" مغلقًا.
العبادة حق مشروع لكل إنسان
يقول المحامي خالد زبارقة، المختص في شؤون القدس و"الأقصى"، إن الذرائع التي تسوقها سلطات الاحتلال لإغلاق المسجد "الأقصى" المبارك هي ذرائع وهمية وغير حقيقية، وتُستخدم غطاء لتمرير سياسات احتلالية تستهدف المسجد، في ظل انشغال العالم بالحرب الإقليمية الدائرة حالياً.
ويضيف أنه على المستوى الشعبي، لم يكن أمامهم سوى حث الناس على التواصل مع المسجد "الأقصى"، والصلاة في أقرب نقطة يمكنهم الوصول إليها، ويؤكد أن هذا عمل قانوني ومكفول بموجب القوانين، وأن حق العبادة حق مشروع لكل إنسان.
ويشدد زبارقة على ضرورة أن يصل كل من يستطيع إلى المسجد "الأقصى" أو إلى أسواره، باعتبار ذلك تعبيراً عن التمسك بالحق في العبادة، ومن جهة أخرى رفضاً للقرار الجائر بإغلاقه، ومحاولة لإفشال المخططات الاحتلالية التي تستهدف المسجد.
ويشير إلى أن ما يُبث مباشرة، وما يُتداول من تصريحات صادرة عن النخب الدينية الإسرائيلية، يكشف عن محاولات حثيثة لاستغلال الوضع الراهن من أجل تعميق تهويد المسجد "الأقصى" المبارك.
ويوضح زبارقة أن هناك العديد من المؤشرات المقلقة، من بينها تصاعد الحديث داخل الأوساط الدينية الإسرائيلية حول ما يُعرف بـ"البقرات الحُمر"، إضافة إلى الخطاب الديني المكثف الذي يربط بين الحرب والاعتداءات على إيران وبين ما يجري في المسجد "الأقصى".
ويلفت إلى أن هناك محاولة واضحة لاستغلال الظرف الإقليمي والانشغال الدولي بالحرب، من أجل تمرير سياسات دينية تهويدية تستهدف المسجد "الأقصى".
ويؤكد زبارقة أن هناك قناعة شعبية متزايدة بضرورة قيام المجتمع الفلسطيني بدوره، بحيث يتوجه كل من يستطيع الوصول إلى المسجد "الأقصى" أو إلى أسوار البلدة القديمة، لأداء واجبه في الدفاع عن حق العبادة.
كسر الصمت تجاه إغلاق "الأقصى"
يقول المؤرخ والأستاذ في تاريخ القدس والمسجد الاقصى إيهاب الجلاد: إن الحصار المفروض على المسجد "الأقصى" يتطلب بدايةً كسر الصمت تجاه إغلاقه، محلياً وعربياً وإسلامياً، بل وعلى المستوى الإنساني والدولي، لما لذلك من أهمية بالغة في مواجهة تداعيات هذا الإجراء.
ويوضح الجلاد أن الصمت والسكوت يسهمان في تمادي وتعميق السيطرة والتحكم على إدارة شؤون المسجد "الأقصى"، رغم أن إدارته يجب أن تكون عربية إسلامية مستقلة، ولا علاقة لها بالجهات الإسرائيلية أو الأمنية.
ويبين أن تنظيم الدخول إلى المسجد وترتيب شؤون الصلاة يجب أن يكون من اختصاص دائرة الأوقاف الإسلامية، التي تراعي سلامة المصلين وتنظيم عبادتهم، وليس الجهات الإسرائيلية، ويعتبر أن هذا هو الوضع الطبيعي الذي ينبغي أن يكون قائماً.
ويدعو الجلاد إلى إطلاق نشاطات يومية تهدف إلى إحياء قضية المسجد "الأقصى"، وزيادة الوعي بها، والضغط من أجل إنهاء إغلاقه، من خلال التعريف بتاريخ "الأقصى" ومعالمه، ووضع لوحات في العواصم والمدن الرئيسية تُظهر عدد الأيام التي مضت على إغلاقه، لتعزيز وعي الناس بحجم المعاناة واستمرار الإغلاق.
كما يقترح تنظيم فعاليات موحدة على مستوى العالم، مثل الدعاء الجماعي أو الوقفات المتزامنة، بحيث تُنفذ في توقيت واحد وفق فروق التوقيت، بهدف لفت أنظار الإعلام العالمي وتسليط الضوء على قضية إغلاق المسجد "الأقصى".
أهمية دور الدول الأوروبية
ويشير الجلاد إلى أهمية دور الدول الأوروبية، بحكم علاقاتها مع إسرائيل، في ممارسة الضغط عبر الحكومات والبرلمانات والأجهزة القضائية ووسائل الإعلام، من خلال طرح تساؤلات قانونية حول مبررات إغلاق المسجد "الأقصى"، والأسس القانونية التي تتيح ذلك، خاصة في ظل فتح مساجد أخرى.
ويؤكد الجلاد أن استمرار الضغط اليومي والمتواصل من مختلف المستويات من شأنه أن يُحدث أثراً ملموساً، ويسهم في إنهاء هذا الإغلاق.
مشهد غير مسبوق منذ عقود طويلة
من جانبه، يقول الكاتب المقدسي صلاح زحيكة: "لا تزال أبواب المسجد "الأقصى" المبارك وكنيسة القيامة مغلقة، في مشهد غير مسبوق منذ عقود طويلة. المدينة التي عُرفت بأنها قلب الصلاة والحرية الروحية تُحاصر اليوم بين الحواجز والاعتقالات، ويُحرم أهلها من أبسط حقوقهم: أداء العبادة في أقدس أماكنهم".
ويؤكد زحيكة أن الوضع العربي والإسلامي يعيش حالة ضعف شديد، لا تسمح بتفعيل حراك رسمي ضاغط على سلطات الاحتلال. لكن الأمل يبقى في الحراك الشعبي، في أصوات الناس وجماعاتهم، في الجاليات العربية والإسلامية حول العالم، التي يمكن أن تُحرّك الحكومات وتدفعها لممارسة الضغط من أجل إعادة فتح "الأقصى" والقيامة.
ويضيف زحيكة: "تخيلوا لو قاد شيوخنا ورهباننا مسيرة مشتركة إلى أبواب "الأقصى"، محاولين الدخول معًا، ليُمارس المسلمون حقهم في الصلاة والمسيحيون حقهم في إحياء طقوس عيد الفصح المجيد. إن مشهدًا كهذا، يقوده الأئمة ورؤساء الكنائس، سيكون كفيلًا بأن يُحدث صدى عالمي، ويُجبر الاحتلال على التراجع عن إغلاقه للمقدسات".
ضرورة التحرك الدبلوماسي
ويرى زحيكة أنه لتعزيز هذا الحراك، فإن على سفرائنا الفلسطينيين والعرب والمسلمين أن يتحركوا دبلوماسياً، عبر مذكرات جماعية أو منفردة لوزارات الخارجية في الدول التي يمثلونها، للتحذير من خطورة المساس بحرية العبادة في القدس المحتلة. فالمسجد "الأقصى" المبارك وكنيسة القيامة ليسا مجرد معالم، بل رمزان للهوية الروحية والإنسانية للعالم بأسره.
ويختتم زحيكة بالقول: "لقد حاول الاحتلال مرارًا سلب حق المسلمين في "الأقصى" عبر الاقتحامات الاستفزازية، وها هو اليوم يمنع المسيحيين أيضًا من دخول القيامة، ويعتدي على القساوسة والرهبان. لكن حراكًا عالميًا، شعبيًا ورسميًا، بإمكانه أن يوقف هذه الانتهاكات، ويُبطل ذرائع الاحتلال المخادعة أمام العالم أجمع".
رمز عريق للإيمان والتاريخ
يقول المحلل السياسي د. أمجد شهاب: "يُعد المسجد "الأقصى" بالنسبة للمقدسيين والفلسطينيين والعرب والمسلمين أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك هو ليس مسجداً فقط للعبادة، بل يحمل أبعاداً دينية وقومية للهوية والعقيدة، فهو رمز عريق للإيمان والتاريخ، وحمايته حق غير قابل للنقاش لحرية العبادة، وهو حق إنساني تكفله القيم والمواثيق الدولية".
ويشير شهاب إلى أن الحملات الشعبية السلمية لكسر الحصار عن "الأقصى" تأتي للتعبيرعن الرفض لما أقدمت عليه سلطات الاحتلال من إغلاق غير مبرر حرم رواد المسجد من حقهم في أداء شعائرهم الدينية، خاصة الأيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان وصلاة العيد، وهي سابقة لم تحدث منذ احتلال المسجد عام 1967 ومنذ قرون طويلة.
ويرى شهاب أن إغلاق المسجد هو انتهاك صارخ لحرية العبادة وللحقوق الدينة وانتهاك لاتفاقية وادي عربة التي وقعت مع المملكة الاردنية الهاشمية عام 1994، التي تؤكد حرية العبادة والوصول للأماكن الدينية بكل حرية ودون أي قيود.
ويوضح شهاب أن الدعوة القائمة اليوم تتمثل في ضرورة تطبيق العدالة في أقدس بقاع الأرض، وتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية، والعمل على حماية المسجد "الأقصى" من أي محاولات للتقسيم المكاني، كما حدث في المسجد الإبراهيمي في الخليل، ومنع استمرار تهويده وتغيير هويته الدينية والثقافية.
ويؤكد أن هذه الدعوات لكسر الحصار عن "الأقصى" تحمل رمزية كبيرة، إذ تُوجه رسالة مفادها أن المسجد "الأقصى" ليس وحيداً، رغم ما يُوصف بالتقصير الواضح من قبل المؤسسات الرسمية والدينية العربية والدولية في الدفاع عنه.
ويضيف: تمثل هذه الحملات وسيلة للتعبير السلمي، سواء من خلال الوجود للصلاة على أبوابه، أو عبر الدعوة للتضامن معه من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.
المصدر:
القدس