آخر الأخبار

هدنة أمريكية إيرانية: هل هي جسر للخلاص أم هدوء هش؟

شارك

د. حسن أيوب: الطريق نحو اتفاق نهائي لا يزال مبكراً وإيران لن تقبل بتحويل وقف النار إلى حالة ممتدة من الهدوء الهش أو عودة إسرائيل نحو استئناف الهجمات
د. أسامة عبد الله: قرار الاستجابة للوساطة الباكستانية لم ينبع من رغبة حقيقية في التفاهم بل من محاولة للخروج من "مأزق استراتيجي" دون الاعتراف بالهزيمة
نعمان توفيق العابد: إسرائيل هي الخاسر الأكبر حتى الآن إذ كان نتنياهو يعوّل على إسقاط النظام الإيراني أو ضرب نفوذه الإقليمي لكن ما حدث شكّل "صفعة" له
د. تمارا حداد: الخاسر الأكبر في هذه المواجهة دول الخليج العربي التي ستجد نفسها تحت تأثير النفوذ الإيراني خصوصاً في ما يتعلق بحركة مضيق هرمز
د. أمجد بشكار: الهدنة القائمة حالياً هي وقف متبادل للهجمات وقبول الولايات المتحدة بمفاوضات بناءً على عشرة مطالب إيرانية يعكس تحوّلاً جوهرياً
سليمان بشارات: قدرة إيران على الحفاظ على شبكة حلفائها في المنطقة وتثبيت دورهم ضمن معادلات القوة قد تمنحها زخماً أكبر في الملفات الإقليمية

رام الله - خاص بـ"القدس"-


في سياق غير متوقع وبلحظات حاسمة، تأتي الهدنة التي فُرضت فجر الأربعاء، عبر الوساطة الباكستانية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في مرحلة انتقالية دقيقة، بعدما وصلت المواجهة مرحلة تصعيد كبير كادت تجر المنطقة والعالم إلى حرب لا تحمد عقباها.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن التصعيد الذي بدأ بلهجة تهديدية عالية انتهى بقبول أمريكي بوقف مؤقت لإطلاق النار، وفرض شرط فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً أصلاً قبل المواجهة، في إشارة واضحة إلى أن الأهداف المعلنة للحرب لم تتحقق، وأن الاستمرار كان سيقود إلى كلفة أكبر من قدرة الإدارة الأمريكية على احتمالها.
ويلفتون إلى أن إيران بدورها تمكنت من تحويل زمن المواجهة إلى فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي وإثبات قدرتها على الصمود، ما جعل ورقتها التفاوضية أساساً معتمداً للمحادثات المقبلة، وأن هذا التحول يعكس اعترافاً ضمنياً بحدود القوة الأمريكية، وبأن طهران باتت لاعباً يصعب تجاوز شروطه.
ويرون أنه رغم توقف الهجمات، تبقى الهدنة محاطة بعوامل هشاشة، وسط معارضة إسرائيلية لمسار التفاهم، وتشدد إيراني في رفض أي تهدئة طويلة بلا ضمانات، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً لمدى قدرة الوسطاء على منع العودة إلى التصعيد وإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.


اعتراف أمريكي إسرائيلي بحدود القوة

يعتقد أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي د. حسن أيوب أن تحوّل قضية فتح مضيق هرمز ـوهي مسألة طارئة خلال الحرب ـ إلى الشرط الأمريكي الأساسي لوقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يكشف بوضوح أن الأهداف المعلنة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب لم تتحقق.
ويرى أيوب أن موافقة واشنطن على اعتماد الورقة الإيرانية المكوّنة من عشر نقاط كأساس للمفاوضات المقبلة، تمثل اعترافاً أمريكياً وإسرائيلياً بحدود القوة، بعد أسابيع من التصعيد العسكري والتهديدات الواسعة التي لم تُترجم إلى إنجازات استراتيجية.
وبحسب أيوب، فإن إيران تعاملت مع الحرب باعتبارها فرصة لتثبيت معادلة ردعية جديدة على مستوى الإقليم، وليست فقط في إطار المواجهة مع إسرائيل.
ورغم الثمن الباهظ الذي دفعته طهران، فإنها نجحت ـ وفق أيوب ـ في فرض نمط "الرد بالمثل" على مدار المواجهة، ما عزز مصداقية تهديداتها الميدانية.
ويشير أيوب إلى أن هذا النمط هو ما جعل تهديدات ترمب الأخيرة بـ"مسح الحضارة الإيرانية" غير قابلة للتنفيذ، خاصة بعد أن قابلتها إيران بإعلان جاهزيتها للرد بذات المستوى.

تراجع سياسي أمريكي

ويؤكد أيوب أن قبول ترمب بوقف العدوان لا يمكن تفسيره إلا كتراجع سياسي، خصوصاً بعد الانتقادات الواسعة لتصريحاته في الداخل الأمريكي وعلى المستوى الدولي، وعجز واشنطن وتل أبيب عن تحقيق أهداف الحرب المعلنة.

الطريق نحو اتفاق نهائي لا يزال مبكراً

ومع ذلك، يعتبر أيوب أن الطريق نحو اتفاق نهائي لا يزال مبكراً، إذ لن تقبل إيران بتحويل وقف إطلاق النار إلى حالة ممتدة من الهدوء الهش، بينما ستسعى إسرائيل وحلفاؤها داخل إدارة ترمب ومؤسسات القرار في واشنطن إلى الدفع نحو استئناف الهجمات.
ويرى أيوب أن معطيات ميدانية وسياسية عدة قد تفتح الباب أمام اتفاق نهائي يلبي جزءاً مهماً من المطالب الإيرانية، من بينها: اعتراف واشنطن بالورقة الإيرانية كمرجعية للتفاوض، وقدرة إيران على مواصلة المواجهة لفترة طويلة دون انهيار، وتفاهمات طهران مع أطراف إقليمية ودولية مؤثرة بشأن تشغيل مضيق هرمز، ما منحها ورقة قوة إضافية بالتزامن مع قبولها إعادة تشغيله، إضافة إلى المخاوف الإقليمية والدولية من العودة إلى حرب واسعة، وفشل الولايات المتحدة في الحصول على شرعية دولية لعملياتها العسكرية، إلى جانب التراجع الملحوظ في شرعية الحرب داخل المجتمع الأمريكي.

نتنياهو يحاول الالتفاف على الاتفاق

أما في ما يتعلق بإسرائيل، فيؤكد أيوب أنها لعبت دوراً أساسياً في دفع واشنطن نحو الحرب، التي يصفها بأنها "إسرائيلية بامتياز"، لكن ترمب كان هو الطرف الذي فرض على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو القبول بوقفها مؤقتاً.
ويرى أيوب أن لغة بيان نتنياهو تعكس محاولة للالتفاف على الاتفاق، خصوصاً مع رفض إسرائيل تطبيقه على لبنان رغم إعلان باكستان أن بنوده تشمل الساحة اللبنانية.
ويشير أيوب إلى أن إسرائيل غير راضية عن المسار الحالي، وستعمل لتعطيل الانتقال نحو اتفاق نهائي ينهي الحرب ويرفع العقوبات عن إيران، وصولاً إلى تفاهمات جديدة بشأن ملفها النووي دون تفكيكه، وهي مطالب أساسية تتمسك بها طهران.

تحوّل اضطراري فرضته وقائع الميدان

يرى الباحث السياسي والأكاديمي د. أسامة عبد الله أن قبول الولايات المتحدة الأمريكية بالمبادرة الباكستانية بشأن إيقاف الحرب على إيران لا يمكن وصفه بأنه تراجع تكتيكي محدود، بل هو تحوّل اضطراري فرضته وقائع الميدان وارتباكات السياسة الأمريكية خلال المواجهة الأخيرة.
ويوضح عبد الله أن إدارة ترمب انطلقت بخطاب تصعيدي مرتفع يقوم على فرضية الحسم السريع وتحقيق تفوق ردعي واضح، إلا أن الحرب التي امتدت لأكثر من شهر كشفت عن كلفة أكبر بكثير مما توقعت واشنطن، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو على صعيد استقرار الحلفاء في المنطقة.

محاولة الخروج من "مأزق استراتيجي"

ويشير عبد الله إلى أن قرار الاستجابة للوساطة الباكستانية لم ينبع من رغبة حقيقية في التفاهم، بل من محاولة للخروج من "مأزق استراتيجي" دون الاعتراف بالهزيمة، بعدما بات استمرار التصعيد يهدد بتوسّع المواجهة إلى صراع إقليمي شامل يصعب التحكم بتداعياته. ويرى عبد الله أن طهران حققت ثلاث مكاسب رئيسية بقبول المبادرة الباكستانية: الصمود تحت الضغط دون اهتزاز داخلي، وفرض معادلة ردع متبادل تُنهي التفوق الأحادي الأمريكي، ونقل المواجهة إلى مستوى إقليمي متشابك يحدّ من قدرة واشنطن على الحسم.
ويوضح عبد الله أن عدم هزيمة إيران يشكّل بحد ذاته إنجازاً في ميزان القوى الراهن، مقابل إدراك أمريكي بأن سقف قدرتها على فرض إرادتها أصبح محدوداً.

مرحلة اختبار النوايا

وفي ما يتعلق بطبيعة المرحلة الحالية، يشدد عبد الله على أنّ المشهد لا يُظهر بوادر تسوية استراتيجية شاملة، بل يشي بهدنة تكتيكية مؤقتة، فالقضايا الجوهرية التي فجّرت المواجهة—بدءاً من النفوذ الإقليمي وصولاً للملف النووي وأمن إسرائيل—ما تزال قائمة دون حلول.
ويلفت عبد الله إلى أن الحديث عن أسبوعين كإطار زمني للتهدئة يعكس أن الأطراف ما تزال تختبر النوايا وتعيد ترتيب مواقعها، لا أنها بصدد بناء اتفاق نهائي.
ويرى عبد الله أن باب الخروج من الحرب لن يكون عسكرياً، بل سياسياً، عبر ثلاثة مسارات متوازية: ضبط التصعيد عبر تفاهمات غير معلنة، وإعادة تفعيل مسار التفاوض بواسطة وسطاء إقليميين ودوليين، ثم التفاهم حول مناطق النفوذ باعتبارها جوهر الصراع ومحركه الأساسي.
أما بالنسبة لمستقبل المواجهة مع إسرائيل وحلفاء إيران، فيتوقع عبد الله استمرار نمط الحرب منخفضة الحدة بدلاً من الانفجار الشامل، فإسرائيل ستواصل عملياتها ضمن حدود لا تفتح مواجهة إقليمية واسعة، فيما سيستمر حلفاء إيران بالضغط المدروس، بينما تعتمد طهران استراتيجية "إدارة الاشتباك" لضبط الإيقاع دون الذهاب نحو حرب مفتوحة مكلفة لجميع الأطراف.
ويشير عبد الله إلى أن المشهد الإقليمي ما يزال في مرحلة هشّة، عنوانها الرئيسي: تهدئة مشروطة، وصراع مفتوح، وحسابات معقدة تحكم ما سيحدث لاحقاً.

صعود الدور الباكستاني في التوازنات الدولية

يؤكد الكاتب والباحث السياسي والمختص في العلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن الدور الذي لعبه قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير كان عاملاً جوهرياً في الدفع نحو الهدنة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران، مشيراً إلى أن منير، بحكم نفوذه الأمني والعسكري السابق في إدارة الاستخبارات الباكستانية، بات لاعباً إقليمياً قادراً على التأثير في ملفات الشرق الأوسط.
ويعتبر العابد أن هذه الوساطة تعكس صعود الدور الباكستاني في التوازنات الدولية، وأن نجاحها يفتح الباب أمام تدخلات مستقبلية مؤثرة.
ويوضح العابد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وجد نفسه متورطاً في حرب لم يكن مستعداً لها، بعدما وقع في تضليل من دولة الاحتلال الإسرائيلي وبعض مستشاريه المقربين المؤيدين لنتنياهو.

تماسك النظام الإيراني فاجأ ترمب

ويشير العابد إلى أن ترمب طوال الفترة الماضية كان ينتظر انهيار النظام الإيراني، قبل أن يُفاجأ بتماسكه وقدرته على امتصاص الضربات وامتلاكه خططاً مسبقة لإدارة المواجهة.
ويبيّن العابد أن عقلية ترمب القائمة على فكرة "الصفقة" دفعته للاعتقاد بأن مجرد التهديد سيجبر إيران على القبول بشروطه، لكنه اصطدم برفض طهران وانضباطها في إدارة المعركة، الأمر الذي شكّل ضربة لفكره السياسي وأوهامه حول إمكانية فرض الإملاءات بالقوة.

هزيمة سياسية لأمريكا

ويرى العابد أن قبول ترمب بالهدنة الحالية، رغم أنها مؤقتة وتمتد لأسبوعين فقط، يشكل بحد ذاته هزيمة سياسية؛ فالنظام الإيراني بقي قائماً، واليورانيوم المخصب ما يزال تحت سيطرته، كما بقي مضيق هرمز وباب المندب بيد الإيرانيين، إضافة إلى استمرار نفوذ طهران عبر أذرعها الإقليمية، وهو ما كانت واشنطن تسعى لتحجيمه دون نجاح واضح.
ويشير العابد إلى أن الورقة الإيرانية التي تضمنت شروطاً تم قبولها كأساس للتفاوض، تمثل انعطافة في موقف ترمب الذي أدرك، بتأثير مباشر من الوسيط الباكستاني، أن إيران ليست دولة يمكن إخضاعها بسهولة.

إسرائيل الخاسر الأكبر

ويؤكد العابد أن إسرائيل هي الخاسر الأكبر حتى الآن، إذ كان نتنياهو يعوّل على إسقاط النظام الإيراني أو على الأقل ضرب نفوذه الإقليمي، لكن ما حدث شكّل "صفعة" له، خاصة بعد أن تبيّن أن باكستان ، التي كانت إسرائيل تنظر إليها كهدف محتمل للتأثير السلبي، أصبحت الوسيط الذي أنتج الهدنة.
ويشير العابد إلى أن امتعاض الإدارة الأمريكية من نتنياهو أصبح واضحاً، سواء عبر تهميشه في مسار المفاوضات أو من خلال مواقف نائب الرئيس الأمريكي الذي عبّر عن استيائه من تضليل تل أبيب لواشنطن.

إعادة تموضع تكتيكي

تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حداد أن الاتفاق الذي جرى بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية جاء بعد استجابة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للمبادرة الباكستانية، وهو ليس تحولاً استراتيجياً كاملاً، بل إعادة تموضع تكتيكية فرضتها نتائج الميدان والتكلفة الباهظة للحرب.
وترى حداد أن تمسّك إيران بعملية إغلاق مضيق هرمز أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً، ما انعكس سلباً على الاقتصاد الدولي وعلى الداخل الأمريكي تحديداً، الأمر الذي شكّل عاملاً ضاغطاً على ترمب ودفعه إلى التراجع عن التهديدات العسكرية المباشرة.
وتشير حداد إلى أن ترمب بدأ يواجه قلقاً متصاعداً داخل الولايات المتحدة، تَمثـّلَ في جمع توقيعات تطالبه بالتنحي، إضافة إلى مخاوفه من خسارة الانتخابات النصفية، وهو ما جعله يبحث عن مخرج يخفف من كلفة التصعيد دون خسارة سياسية مباشرة.
وتؤكد حداد أن ترمب، من خلال خطابه التصعيدي الأخير، كان يهدف إلى ممارسة "ضغط أقصى سريع" لدفع إيران نحو قبول شروط تفاوضية عاجلة، من دون الانجرار إلى حرب طويلة أو مفتوحة لا ترغب بها الإدارة الأمريكية.
وواشنطن -وفق حداد- ليست معنية بإسقاط النظام الإيراني، بل بضبط سلوكه واحتواء نفوذه، وهي سياسة أقرب إلى "إدارة الصراع" لا إنهائه.

وصول واشنطن سقف ردع دون الانزلاق للحرب

وتشير حداد إلى أن استجابة ترمب للوساطة الباكستانية تعكس وصول واشنطن إلى سقف الردع الذي يمكنها بلوغه دون الانزلاق نحو حرب إقليمية واسعة، خصوصاً مع خشيتها من فقدان السيطرة على مضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية في فترة حساسة انتخابياً.
وتوضح حداد أن الوساطة وفّرت مخرجاً يحفظ ماء وجه الطرفين، فيما لم تُهزم إيران ولم تنتصر بالكامل، لكنها نجحت في تفادي ضربة شاملة تهدد بنيتها الاستراتيجية، وحافظت على بقائها السياسي وفرضت مبدأ التفاوض غير المباشر عبر شروط قدّمتها ووافقت عليها واشنطن.
ورغم ذلك، تشير حداد إلى أن إيران لا تزال تحت ضغط عسكري واقتصادي كبير، ما دفعها إلى القبول بهدنة مؤقتة، لكنها تفضّل تهدئة شاملة تمنع الضربات الاستباقية، خصوصاً من الجانب الإسرائيلي الذي لا يبدي رضا عن مسار التفاهم الأمريكي الإيراني.

هدنة اختبارية قصيرة ومقلقة

وترى حداد أن ما جرى لا يشكل تسوية دائمة بل "هدنة اختبارية قصيرة ومقلقة"، لأن الملفات الجوهرية كالمشروع النووي ومستوى التخصيب وآلية التعامل مع مخزون اليورانيوم، إضافة إلى العقوبات والمشروع الصاروخي ونفوذ إيران الإقليمي، لم تُحَل بعد.
وتوضح حداد أن الخروج من دائرة الحرب يتطلب خفضاً للتصعيد ووقفاً للضربات وتفاهمات أمنية محدودة في مضيق هرمز، يليها مفاوضات مرحلية واتفاق جزئي مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات، وهو النهج الذي تعتمد عليه الولايات المتحدة في إدارة الصراعات طويلة الأمد.
أما بشأن الموقف الإسرائيلي، فترى حداد أن تل أبيب لا تعتبر التهدئة نهاية للصراع، وتستعد لمواصلة الضربات الاستباقية ضد أذرع إيران إن شعرت بعودة التهديدات.

إعادة ضبط الصراع وليس إنهاءه

وتتوقّع حداد أن تبقى المنطقة في إطار احتكاك منخفض الوتيرة، مع احتمال عودة "حرب الظل" بين الأطراف المختلفة.
وتشدد حداد على أن ما يحدث هو إعادة ضبط الصراع وليس إنهاءه، فترمب لم يتراجع بل انتقل من التهديد إلى التفاوض القسري، فيما صمدت إيران دون تحقيق نصر كامل.
وتعتبر حداد أن الخاسر الأكبر في هذه المواجهة هي دول الخليج العربي التي ستجد نفسها تحت تأثير النفوذ الإيراني، خصوصاً مع قدرة طهران على التأثير في حركة مضيق هرمز وفرض رسوم على السفن بالشراكة مع سلطنة عُمان، ما يجعل دول الخليج "تحت رحمة إيران" في المدى المتوسط.
وتشير حداد إلى أن الولايات المتحدة تخلت عملياً عن الاعتماد التقليدي على دول الخليج مقابل احتواء إيران.
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية، فترى حداد أن غيابها عن الاتفاقات يؤكد أن إيران تتحرك وفق مصالحها الخاصة، وأن "الفلسطيني وحده هو من يحمي قضيته".

إيران بقيت نداً حقيقياً

يرى أستاذ العلوم السياسية د. أمجد بشكار أن قبول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالمبادرة الباكستانية بشأن الهدنة ووقف الحرب على إيران يمثل "تراجعاً كبيراً" عن تهديداته السابقة، خاصة أن واشنطن وتل أبيب كانتا تطمحان منذ بداية الحرب إلى إسقاط النظام الإيراني واستبداله برموز من المعارضة، إلى جانب السيطرة بالقوة على مواد تخصيب اليورانيوم.
ويشير بشكار إلى أن ترمب فوجئ بقدرة إيران على الصمود، رغم الفارق الكبير في القوة العسكرية، إذ واجهت طهران "الجيش الأقوى في العالم" و"الجيش الأقوى في الشرق الأوسط" مجتمعين، لكنها بقيت نداً حقيقياً ولم تنكسر، ما عرقل مشروعاً غربياً كان يستهدف إعادة صياغة المنطقة.
ويوضح بشكار أن إيران تعرضت لضربات قاسية طالت البنى التحتية والجسور ومحطات البتروكيماويات وشبكات القطارات، إلا أنها في المقابل نجحت في منع الانهيار والاستسلام، وباتت قوة إقليمية مهيمنة أمنياً على الخليج ومضيق هرمز.
ويشير بشكار إلى أن دول الخليج العربي تراجعت فعاليتها خلال الحرب ولم تقدم ردعاً حقيقياً، فيما أسهمت الهجمات التي شاركت فيها أطراف متحالفة مع إيران من اليمن والعراق في جعل القواعد الأمريكية مكشوفة، وفاقدة لجدواها، وهو ما يمثل بداية تراجع كبير للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
ويعتبر بشكار أن إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها في لبنان، وأن الحديث عن نزع سلاح "حزب الله" أصبح غير واقعي، ما يجعل مستقبل حكومة بنيامين نتنياهو "على المحك" بعد هذه الحرب.

تخلي ترمب عن تصريحاته النارية

ويلفت بشكار إلى أن ترمب اضطر للتخلي عن تصريحاته النارية، وأن البند الوحيد الذي يمكن اعتبار إيران قدّمت فيه تنازلاً يتعلق بفتح مضيق هرمز، على الرغم من أنه كان مفتوحاً أساساً، وأن الفتح حالياً بات مشروطاً بالتنسيق مع القوات الإيرانية، ما يمنح طهران ميزة إضافية.
ويؤكد بشكار أن الهدنة القائمة حالياً هي وقف متبادل للهجمات، وأن الولايات المتحدة قبلت خوض مفاوضات بناءً على عشرة مطالب إيرانية، وهو ما يعكس تحوّلاً جوهرياً في الموقف الأمريكي.

أسبوعان حاسمان

ويرى بشكار أن الأسبوعين المقبلين سيكونان حاسمين: فإما التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بالكامل، أو العودة إلى نقطة الصفر، رغم اعتقاده أن تجدد المواجهات بات أمراً صعباً.
ويشدد بشكار على أن النظام الإيراني لم يتغير، والبرنامج الصاروخي ما زال قائماً ويتجه إلى التطوير، كما فشلت واشنطن في الحصول على اليورانيوم الذي كانت تسعى إليه.
أما الرهان الأمريكي والإسرائيلي على انفجار داخلي في إيران، فيوضح بشكار أن نتيجته كانت معاكسة، حيث التفّت المعارضة الوطنية حول النظام بدلاً من إسقاطه.
ويؤكد بشكار أن إيران لم تخضع، وأن صناعاتها العسكرية بقيت فاعلة، بينما ظهرت الصناعات العسكرية الأمريكية مكشوفة، لافتاً إلى أن حلفاء طهران في لبنان والعراق واليمن سيزدادون قوة ودوراً، باعتبارهم الخط الأول في مواجهة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة.
ويعتبر بشكار أن موافقة الولايات المتحدة على التفاوض وفق البنود الإيرانية العشرة، بما يشمل تعويض الخسائر عبر فك تجميد الأصول الإيرانية أو رسوم على ناقلات النفط في مضيق هرمز، يعني أنّ إيران هي "المنتصر الحقيقي"، مؤكداً أن هذه العوائد قد تجعلها قوة مالية كبرى خلال سنوات.

سلم لنزول ترمب عن الشجرة

يرى الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن المبادرة الباكستانية شكّلت "سلّماً" لما يعتبره نزول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن "الشجرة"، في ظل مستوى التهديدات القصوى التي صعد إليها خلال الحرب، بعدما كانت المنطقة قاب قوسين من الانزلاق إلى مواجهة قد تتدحرج نحو مآلات خطيرة لا يمكن التنبؤ بها.
ويوضح أن المبادرة الباكستانية أتاحت فرصة أخيرة لإعادة إدخال العقلانية في الخطاب السياسي، والانتقال من التلويح بالقوة إلى الواقعية الدبلوماسية، دون أن يعني ذلك تراجعاً نهائياً من جانب واشنطن، بل إعادة ترتيب للأدوات المستخدمة في إدارة الصراع.
ويشير بشارات إلى أن الحرب أحدثت إرباكاً واسعاً في الحسابات الإقليمية والدولية، ما جعل الولايات المتحدة على حافة خسارة استراتيجية واضحة، الأمر الذي دفعها إلى محاولة وقف الانحدار عبر فتح الباب أمام مسار تفاوضي مؤقت.

مسار هشّ لا يمكن الجزم بمآلاته

ويشدد بشارات على أن هذا المسار لا يزال هشاً ولا يمكن الجزم بمآلاته، لكنه يمنح الأطراف فرصة لإعادة قراءة المشهد وإعادة تشكيل المسارات بما يخدم مصالح المنطقة والعالم.
وفي معرض الرد على سؤال حول ما إذا كانت إيران قد انتصرت، يؤكد بشارات أن طهران نجحت في تثبيت معادلة استراتيجية جديدة رغم الخسائر التي تكبدتها، إذ أثبتت أن القوة العسكرية لا يمكنها تحطيم مشروعها الإقليمي ولا إقصاء دورها المركزي في الشرق الأوسط.
كما عززت طهران وفق بشارات، من شرعيتها السياسية، وأصبحت شريكاً معترفاً به في إدارة مضيق هرمز بعد التوصل إلى آلية واضحة لإدارة الممر البحري، وهو ما يمثل اعترافاً ضمنياً بسيادتها ودورها الحيوي.

اختبار لإيران بالحفاظ على حلفائها

ويشير بشارات إلى أن قدرة إيران على الحفاظ على شبكة حلفائها في المنطقة، وتثبيت دورهم ضمن معادلات القوة في الإقليم، قد يمنحها زخماً أكبر في الملفات الإقليمية، وخصوصاً القضية الفلسطينية واللبنانية، إضافة إلى تأثير محتمل في مسارات أخرى يجري تشكيلها في المنطقة.
وفي ما يتعلق بآفاق تثبيت التهدئة المؤقتة، يرى بشارات أن المنطقة لا تزال تقف عند نقطة توازن دقيقة بين الدافع نحو الهدنة وعوامل التصعيد، وأن المسار التفاوضي سيظل رهينة القدرة على تضييق الفجوات بين المطالب الإيرانية والأمريكية، وتجاوز "صواعق التفجير" التي قد تدفع بها إسرائيل لتعطيل الاتفاق، وعلى رأسها محاولة الفصل بين الجبهة اللبنانية ومسار التهدئة.
ويعتبر بشارات أن قدرة الوسطاء الإقليميين -باكستان ومصر وتركيا- على ضبط الإيقاع ستحدد مستقبل التهدئة في الأسابيع المقبلة.
ويؤكد بشارات أن المنطقة لا تزال على "برميل بارود"، وأن اختبار القوة أظهر للجميع حجم الثمن المدفوع، خصوصاً لدول الخليج التي كادت تتحمل كلفة حرب "ليست حربها"، ما يؤكد ضرورة بناء خطوات ثقة فعلية لمنع العودة إلى مربع التصعيد.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا إيران أمريكا دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا