آخر الأخبار

قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين وتداعيات إغلاق المسجد الأقصى

شارك

تواجه القضية الفلسطينية في هذه الأيام منعطفاً خطيراً وغير مسبوق، حيث يسعى الاحتلال الإسرائيلي لفرض واقع جديد يستهدف الإنسان والمقدسات معاً. فبالتزامن مع استمرار التضييق وإغلاق المسجد الأقصى، أقر الكنيست في قراءة أولى قانوناً يبيح إعدام الأسرى الفلسطينيين، في خطوة تعكس رغبة اليمين المتطرف في تصفية الحسابات السياسية عبر منصات القضاء العسكري.

هذا التشريع الذي دفع به وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، لا يمثل مجرد إجراء قانوني، بل هو إعلان حرب على آلاف الأسرى القابعين في السجون. وبحسب المعطيات، فإن القانون يسمح للمحاكم العسكرية بإصدار أحكام الإعدام بأغلبية بسيطة، مما يفتح الباب أمام تنفيذ عمليات قتل ممنهجة تحت غطاء قانوني واهٍ.

تاريخياً، لم تلجأ سلطات الاحتلال إلى تطبيق عقوبة الإعدام إلا في حالات نادرة جداً، كان أبرزها ضد الضابط النازي أدولف أيخمان في ستينيات القرن الماضي. واليوم، يحاول الاحتلال استحضار هذه العقوبة ضد الفلسطينيين الذين يقاومون الاحتلال، في محاولة لكسر إرادة الصمود الشعبي وتخويف الحاضنة الشعبية للمقاومة.

إن قضية الأسرى في الوجدان الإسلامي والتاريخي لم تكن يوماً مجرد ملف إنساني عابر، بل هي معيار لكرامة الأمة وقوتها. وقد سجل التاريخ مواقف حاسمة تحركت فيها الجيوش من أجل استنقاذ أسير واحد، كما حدث في عهد الخليفة المعتصم الذي سير جيشاً كاملاً استجابة لصرخة امرأة هاشمية في عمورية.

وتؤكد القواعد الشرعية المقررة وجوب النهوض لاستنقاذ الأسرى، حيث اعتبر الفقهاء أن حرمة المسلم أعظم من حرمة الديار. ويرى علماء الأمة أن فداء الأسرى واجب شرعي يقع على عاتق الجميع، وإن عجزت الموارد الرسمية وجب على عموم الأمة المساهمة في تخليصهم من القيد والظلم.

وفي ظل وجود نحو عشرة آلاف أسير فلسطيني، بينهم نساء وأطفال يتعرضون لتعذيب ممنهج، يبدو الصمت الدولي والإقليمي مستهجناً. إن غياب ردة الفعل اللائقة بهذا الجرم الكبير يشجع الاحتلال على المضي قدماً في سياساته التنكيلية التي لم تعد تفرق بين طفل أو شيخ داخل الزنازين.

ويربط المراقبون بين قانون إعدام الأسرى وبين ما يجري في المسجد الأقصى المبارك من إغلاق واقتحامات مستمرة. فإغلاق المسجد ليس إلا تهيئة لما هو أفدح، حيث يسعى المتطرفون في حكومة الاحتلال إلى فرض تقسيم زماني ومكاني كامل، مستغلين انشغال العالم بالصراعات الإقليمية والدولية.

إن استنقاذ الأسير فرض على الأمة بمجموع قدراتها، فإن نكلت أو نكصت أثم الجميع، فكيف إذا كان في مقدمة هؤلاء الأسرى مسرى نبينا الكريم؟

إن الموقف الأمريكي الذي اعتبر تشريع الإعدام 'حقاً سيادياً' لإسرائيل، يعكس انحيازاً كاملاً يمنح الضوء الأخضر لمزيد من الانتهاكات. وفي المقابل، تكتفي المنظمات الدولية ببيانات الاستنكار التي لا تسمن ولا تغني من جوع أمام تغول اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يحتفل قادته بإقرار قوانين القتل.

لقد علمتنا تجارب الصراع أن الاحتلال لا يتراجع إلا تحت ضغط حقيقي وملموس، سواء كان سياسياً أو ميدانياً. والأمة تملك من أوراق الضغط الكثير، بدءاً من الحراك الشعبي في الميادين وصولاً إلى المواقف الدبلوماسية والاقتصادية التي يمكن أن تجبر الاحتلال على إعادة حساباته.

ويبرز هنا دور العلماء والمفكرين في توجيه البوصلة نحو المسؤوليات الحقيقية، بعيداً عن البيانات الروتينية التي لم تعد تؤثر في واقع الميدان. إن الفتوى الصادقة هي التي تضع الحكام والمحكومين أمام واجباتهم تجاه المسرى والأسرى، وتوضح أن التفريط في أحدهما هو تفريط في صلب العقيدة والهوية.

إن الوزير المتطرف الذي احتفل بتوزيع الحلوى عقب التصويت على قانون الإعدام، لن يتورع عن ارتكاب حماقات أكبر في القدس. لذا فإن الدفاع عن الأسرى هو في جوهره دفاع عن المسجد الأقصى، والعكس صحيح، فكلاهما يمثلان رمزية الصمود الفلسطيني في وجه آلة الحرب الإسرائيلية.

إن استحضار روح البطولة التاريخية في التعامل مع قضايا الأسرى أصبح ضرورة ملحة في ظل الواقع الراهن. فالأمم التي تحترم أفرادها هي التي ترهن مستقبلها بسلامة كل فرد فيها، والاحتلال يدرك هذه النقطة جيداً ويحاول استغلالها للضغط على الفلسطينيين وابتزاز مواقفهم السياسية.

وفي الختام، يبقى الرهان على وعي الشعوب وقدرتها على التحرك لحماية مقدساتها وأبنائها خلف القضبان. إن قانون إعدام الأسرى يجب أن يكون صرخة تنبيه للأمة بأسرها، بأن الصمت لم يعد خياراً مقبولاً أمام تهديد يطال الأرواح والمقدسات بشكل مباشر وصريح.

إن السماء التي تُرجى حين تحتجب، ستمطر يوماً نصراً وفرجاً لهؤلاء الأبطال الذين ضحوا بزهرات شبابهم من أجل كرامة هذه الأمة. وعلى الجميع أن يدرك أن استنقاذ الأسير هو فرض عين بمجموع القدرات، وأن التقاعس عن ذلك هو إثم يشترك فيه كل من ملك وسيلة للتغيير ولم يستخدمها.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا