تتجدد مأساة النازحين في قطاع غزة مع كل زخة مطر، حيث كشف المنخفض الجوي الذي ضرب القطاع اليوم الثلاثاء عن هشاشة الوضع المعيشي في المخيمات المكتظة. وتواجه نحو 1.9 مليون نسمة ظروفاً قاسية داخل خيام مهترئة تفتقر لأدنى مقومات الحماية، بعد أن دمرت آلة الحرب الإسرائيلية منازلهم وحولتهم إلى مشردين في العراء.
وفي قلب مدينة غزة، وتحديداً في ملعب اليرموك، سارع المواطنون بوسائل بدائية لإنقاذ ما تبقى من أمتعتهم وفرش أطفالهم التي غمرتها المياه بالكامل. تعكس هذه المشاهد حجم العجز الذي يعيشه النازحون وهم يحاولون يدوياً إزاحة الأطيان والمياه التي اقتحمت خصوصيتهم المحدودة، محولةً حياتهم إلى صراع يومي من أجل البقاء.
أما في مخيم 'مركز إيواء النور' غرب المدينة، فقد تحولت الطرقات إلى برك راكدة تحاصر الخيام من كل جانب، مما أعاق حركة التنقل وزاد من عزلة العائلات المنكوبة. ويقف النازحون وسط المياه الملوثة في محاولة يائسة لإنقاذ مقتنياتهم البسيطة، بينما تزداد المخاوف من انهيار ما تبقى من سواتر ترابية تحمي خيامهم.
من جانبها، أوضحت وكالة الأونروا أن الحصول على الوقود ومستلزمات الطهي الأساسية أصبح حلماً بعيد المنال لغالبية العائلات، في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار السلع الشحيحة. وأشارت الوكالة إلى أن المطابخ التقليدية اختفت تماماً، وحلت مكانها مواقد بدائية تعتمد على حرق بقايا الأخشاب والمواد البلاستيكية، مما يهدد الصحة العامة.
وتتحمل النساء والفتيات العبء الأكبر في هذه الأزمة، حيث يكافحن لإعداد الطعام في بيئات ملوثة وبالقرب من أدخنة كثيفة تسبب ضيقاً في التنفس وأمراضاً صدرية مزمنة. ويزداد هذا العبء الجسدي والنفسي تعقيداً مع غياب أي أفق لانتهاء المعاناة، وفي ظل نقص حاد في الملابس الشتوية والأغطية التي تقي الأطفال برد الليل.
وعلى الرغم من وجود اتفاق لوقف إطلاق النار سارٍ منذ أكتوبر الماضي، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى تنصل الاحتلال من التزاماته المتعلقة بإدخال المساعدات الإنسانية. وتؤكد تقارير ميدانية أن كميات الخيام ومواد الإيواء التي تدخل القطاع لا تغطي سوى جزء يسير من الاحتياجات الفعلية، مما يبقي مئات الآلاف تحت رحمة التقلبات الجوية.
وتشير الإحصائيات إلى أن الاحتلال لا يسمح بمرور أكثر من 200 شاحنة مساعدات يومياً، بينما يحتاج القطاع إلى 600 شاحنة على الأقل لتلبية الاحتياجات الأساسية ومنع المجاعة. هذا التضييق المتعمد يفاقم من أزمة النزوح ويجعل من عملية إعادة الإعمار أو حتى توفير بدائل سكنية مؤقتة أمراً مستحيلاً في الوقت الراهن.
يذكر أن العدوان المستمر خلف حصيلة ثقيلة تجاوزت 72 ألف شهيد ونحو 172 ألف جريح، فضلاً عن تدمير 90% من البنية التحتية المدنية في القطاع. ومع استمرار القصف المتقطع لبعض المواقع، تظل حياة النازحين معلقة بين خطر القذائف وقسوة الطبيعة، في ظل صمت دولي تجاه هذه الكارثة الإنسانية المتفاقمة.
المصدر:
القدس