دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها السادس منذ اندلاعها في أواخر فبراير الماضي، وسط مؤشرات متزايدة على تعثر استراتيجية 'الصدمة والترهيب' التي عولت عليها واشنطن وتل أبيب. وكان المخطط يهدف إلى شل الإدارة الإيرانية عبر ضربات رأسية تستهدف القيادة، مراهناً على حدوث انهيار متسلسل في مؤسسات الدولة وفراغ حاد في مركز القرار السياسي والأمني.
أثبتت الوقائع الميدانية أن الدولة الإيرانية لم تدخل طور الشلل المتوقع، بل تحولت الضربة الأولى إلى عامل تعبئة وطنية شاملة. وبدلاً من تفكك النظام، أظهرت طهران قدرة عالية على امتصاص الصدمة وإعادة التموضع، مما حول المعركة في الوعي الشعبي من خلاف سياسي إلى معركة بقاء ووجود وطني تتجاوز الانقسامات الداخلية.
الفشل الثاني في الحسابات الغربية تمثل في الرهان على تحريك الجماعات الانفصالية، لا سيما في المناطق الكردية، لفتح ثغرات حدودية تضاعف الضغط على الداخل. غير أن التماسك الحدودي الإيراني حال دون خلق واقع ميداني جديد، وبقيت المدن الحدودية تحت السيطرة الكاملة، مما أسقط وهم 'الحرب القصيرة' التي تنهار فيها الأطراف سريعاً.
على الصعيد الاجتماعي، اصطدم المشروع الأمريكي الإسرائيلي بحقيقة صلبة تمثلت في رفض الغالبية العظمى من الإيرانيين للحرب الخارجية. ورغم التباينات السياسية، وضعت الجماهير السيادة الوطنية في مقدمة الأولويات، مما أفشل محاولات تحريك الشارع لإسقاط المؤسسات الحكومية من الداخل، وهو ما وصفه مراقبون بأنه 'انتحار للرهانات النفسية والدعائية' المعادية.
أفادت مصادر بأن الانسداد العسكري الحالي دفع العقل السياسي والعسكري في واشنطن وتل أبيب للتفكير في درجات أعلى من التصعيد الخطير. ويبرز الحديث عن استخدام أسلحة نووية تكتيكية أو أسلحة كيماوية كدليل على المأزق الاستراتيجي، حيث تسعى القوى المهاجمة لتعويض عجزها عن تحقيق حسم تقليدي عبر أدوات تدميرية غير مسبوقة.
في غضون ذلك، تواصل طهران فرض قيود مشددة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، مع منح استثناءات واضحة للسفن الصينية والهندية. هذا الإجراء يهدف إلى الضغط على الاقتصاد العالمي مع الحفاظ على تحالفات استراتيجية تضمن تدفق الإمدادات الأساسية، في وقت تصر فيه القيادة الإيرانية على نيل تعويضات كاملة عن أضرار الحرب.
المرشد الإيراني مجتبى خامنئي هدد بوضوح بمصادرة أموال 'الأعداء' في حال رفض دفع التعويضات المطلوبة، وهو موقف أيده محسن رضائي الذي اشترط رفع العقوبات كمدخل لأي مسار سياسي. وتعكس هذه المطالب ثقة إيرانية في القدرة على الصمود الطويل وتحويل عبء الحرب إلى تكلفة سياسية ومالية باهظة على الطرف المعتدي.
الصين من جانبها، استعدت مبكراً لهذه الأزمة عبر تعزيز مخزوناتها النفطية والاعتماد المتزايد على الفحم المحلي لإنتاج المواد الكيميائية والأسمدة. وباتت بكين تلعب دوراً محورياً في تخفيف أثر الحصار على حلفائها، بينما طلبت دول مثل فيتنام والفلبين مساعدتها لمواجهة نقص الطاقة الحاد الناتج عن إغلاق الممرات المائية.
إقليمياً، طالبت قطر إيران بتحمل مسؤولياتها القانونية ودفع تعويضات عن الأضرار، في محاولة لموازنة المواقف القانونية الدولية. وتستند هذه المطالب إلى وثائق الأمم المتحدة التي تحدد أشكال الجبر والتعويض، رغم أن الولايات المتحدة لا تزال ترفض الاعتراف بصلاحية محكمة العدل الدولية في هذا السياق وتعتبرها 'مسيسة'.
إن الانتقال من منطق الحسم العسكري إلى منطق 'توسيع الألم' على المجتمع المدني يعكس إفلاساً استراتيجياً واضحاً، حسبما يرى محللون. فالدولة التي تعجز عن انتزاع النصر في الميدان تلجأ عادة إلى تدمير مقومات الحياة اليومية، وهو ما يصنع وصمة تاريخية دون أن يضمن تحقيق الأهداف السياسية التي اندلعت الحرب من أجلها.
الحرب التي أرادتها واشنطن وتل أبيب سريعة وخاطفة، تحولت إلى استنزاف كشف حدود القوة المادية أمام إرادة الشعوب. وأثبتت التجربة الحالية أن إيران ليست 'لقمة سائغة'، وأن الرهان على تفكيك الدول من خلال الاغتيالات أو الضغوط الاقتصادية غالباً ما يؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من تماسك الجبهة الداخلية.
في نهاية المطاف، تظل الحقيقة الاستراتيجية الكبرى هي أن الحروب لا تحسم فقط بما تملكه الجيوش من ترسانة نارية، بل بقدرة الأمم على الثبات. ومع دخول الحرب أسبوعها السادس، يبدو أن الإرادة الإيرانية أظهرت صلابة غير متوقعة، مما يضع المخططين في واشنطن أمام خيارات أحلاها مرّ، بين الانسحاب الفاشل أو التصعيد الانتحاري.
يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، مع تزايد التحذيرات من انزلاق المنطقة نحو صراع غير تقليدي قد يغير وجه الشرق الأوسط للأبد. وبينما تستمر النيران في الاشتعال، يظل المدنيون هم الحلقة الأضعف في صراع إرادات دولي وإقليمي لا يبدو أن نهايته قريبة في الأفق المنظور.
المصدر:
القدس