أكدت قراءات سياسية حديثة أن المواجهة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران قد أدت إلى نتيجة عكسية، حيث حولت طهران إلى قوة عالمية رابعة تنافس الأقطاب الثلاثة التقليدية. ويرى مراقبون أن الافتراضات السابقة التي حصرت القوة في الحجم الاقتصادي والعسكري المباشر قد انهارت أمام القدرة على التحكم في الممرات المائية الحيوية.
تستمد إيران قوتها المتصاعدة من سيطرتها الاستراتيجية على مضيق هرمز، وهو الشريان الذي يغذي الاقتصاد العالمي بنحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال. ومع دخول الحرب أسبوعها السادس، أثبتت طهران قدرتها على فرض واقع جيوسياسي جديد يتجاوز القدرات العسكرية التقليدية لواشنطن وحلفائها في المنطقة.
الحملة العسكرية المشتركة التي انطلقت في فبراير الماضي دفعت الجانب الإيراني إلى تطبيق حصار عسكري انتقائي على المضيق، مما أدى إلى تراجع حركة الملاحة بنسبة تجاوزت 90%. هذا التراجع لم ينتج عن إغلاق كامل للممر، بل بسبب استراتيجية الاستهداف المتقطع التي جعلت شركات التأمين العالمية تسحب تغطيتها للمخاطر.
أفادت مصادر بأن شركات التأمين أعادت تسعير مخاطر الحرب بشكل جعل الشحن عبر الخليج عملية غير مجدية اقتصادياً للكثير من الدول. ويكفي استهداف سفينة واحدة كل بضعة أيام لزعزعة ثقة الأسواق العالمية، مما يحول قضية الطاقة من عقود تجارية إلى تحديات استراتيجية معقدة تواجه الحكومات الكبرى.
في سياق المواقف الدولية، اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن محاولة فتح مضيق هرمز باستخدام القوة العسكرية هي خطوة غير واقعية في الوقت الراهن. وأشار ماكرون إلى أن ضمان تدفق الطاقة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر قنوات التنسيق مع إيران، وهو ما يعد اعترافاً ضمنياً بالنفوذ الإيراني الجديد.
النظام القديم الذي كان يقوم على تأمين الولايات المتحدة للممرات المائية مقابل تدفق النفط بأسعار تحددها الأسواق بدأ بالانهيار الفعلي. وتجد دول الخليج نفسها اليوم مضطرة للتعامل مع واقع جديد يتطلب التجاوب مع الطرف القادر على التأثير المباشر في موثوقية صادراتها، وهي إيران في هذه المرحلة.
تتجه الأنظار إلى القوى الآسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند، التي تعاني من تبعية عميقة لطاقة الخليج المرتبطة ببنية تحتية لا يمكن استبدالها سريعاً. وأي استمرار في انقطاع الإمدادات سيؤدي حتماً إلى تضخم عالمي وضعف في العملات الوطنية، مما يعيد للأذهان أزمات الركود التي شهدها العالم في السبعينيات.
على الصعيد الميداني، فشلت الاستراتيجيات الأمريكية التي راهنت على إحداث فراغ سياسي عبر استهداف قمة الهرم القيادي في طهران. وبدلاً من الانهيار، أظهر المجتمع الإيراني تماسكاً وطنياً، بينما تعثرت محاولات تحريك الجماعات الانفصالية في المناطق الحدودية لفتح ثغرات عسكرية.
تشير تقارير إلى أن واشنطن تدرس خيارات تصعيدية خطيرة، من بينها استخدام أسلحة نووية تكتيكية أو أسلحة كيماوية لكسر حالة الجمود العسكري الراهنة. وتأتي هذه التوجهات في ظل عجز القوات التقليدية عن تأمين الملاحة بشكل دائم ضد هجمات الطائرات المسيّرة والألغام البحرية الإيرانية.
في غضون ذلك، تواصل إيران استثناء السفن التابعة للصين والهند من قيود الملاحة، مما يعزز من تحالفاتها الشرقية ويضعف الضغوط الغربية. وتستفيد روسيا بدورها من ارتفاع أسعار الطاقة وتقلباتها، بينما تعزز الصين مخزوناتها الاستراتيجية لمواجهة تداعيات الحرب الطويلة.
طالب المرشد الإيراني مجتبى خامنئي ومسؤولون بارزون مثل محسن رضائي بضرورة دفع تعويضات مالية ضخمة ورفع كامل للعقوبات كشرط أساسي لوقف العمليات القتالية. هذه المطالب تعكس ثقة القيادة الإيرانية في موقعها التفاوضي الناتج عن السيطرة على مفاصل الطاقة العالمية.
التداعيات الاقتصادية لم تتوقف عند حدود الطاقة، بل امتدت لتشمل أسواق المعادن الثمينة، حيث قفز سعر الذهب في الأسواق الإقليمية إلى مستويات قياسية. ويعكس هذا الارتفاع حالة الذعر العالمي من تحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تغير ملامح الاقتصاد الدولي.
يبرز سيناريو قاتم يتحدث عن تشكيل 'كارتل' طاقة يضم إيران وروسيا والصين، وهو ما قد يحرم الغرب من نحو 30% من إمدادات النفط العالمية. مثل هذا التحول سيعني تراجعاً حاداً في النفوذ الأمريكي والأوروبي لصالح القوى الشرقية الصاعدة في النظام الدولي الجديد.
تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانخراط في معركة عسكرية طويلة الأمد وباهظة التكاليف لاستعادة السيطرة على المضيق، أو القبول بنظام عالمي جديد تكون فيه إيران مركزاً رابعاً للقوة. وفي كلتا الحالتين، فإن النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية يمر بمرحلة تغيير لا رجعة فيها.
المصدر:
القدس