تتفاقم المعاناة الإنسانية في مخيمات النازحين بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، حيث لم يعد تأمين الغذاء والماء هو الهاجس الوحيد، بل أضحى الحصول على حبة دواء معركة يومية للبقاء. تحولت الأمراض المزمنة والإصابات الناجمة عن العدوان إلى أحكام بالموت البطيء في ظل الحصار المطبق الذي يمنع وصول الإمدادات الطبية الحيوية إلى الصيدليات والمستشفيات.
تجسد حالة الجريح رائد المريدي مأساة مئات المصابين، إذ يرقد في خيمته المتهالكة بجسد أنهكته نوبات التشنج المتواصلة نتيجة فقدان أدوية الأعصاب الضرورية لحالته. وتعاني عائلته من عجز تام في توفير العلاج الذي يمنع تدهور حالته الصحية، خاصة مع إصابته بصعوبة في البلع أدت إلى فقدان حاد في الوزن وتهديد مباشر لحياته.
وفي رحلة البحث المضنية عن العلاج، تضطر زوجة المريدي وغيرها من ذوي المرضى لمواجهة رفوف الصيدليات الفارغة، حيث يكتفي الصيادلة بتوجيههم نحو بدائل غير دقيقة أو العودة للأطباء للبحث عن صيغ كيميائية قريبة. هذه الرحلة غالباً ما تنتهي دون جدوى، مما يترك المرضى فريسة للألم المستمر والمضاعفات التي لا يمكن السيطرة عليها في بيئة النزوح القاسية.
أما أصحاب الأمراض المزمنة، مثل الخمسيني ناصر العقاد المصاب بأمراض الغدة، فقد باتوا يرضون بأنصاف الحلول للبقاء على قيد الحياة عبر تقليص الجرعات الدوائية. يضطر العقاد لتناول جرعات لا تتجاوز 50 مليغراماً كبديل لجرعاته الأصلية التي تصل إلى 200 مليغرام، وهو إجراء طبي قسري قد يؤدي إلى انتكاسات صحية خطيرة على المدى البعيد.
من جانبه، حذر الدكتور أحمد أبو طه، رئيس قسم الغدد الصماء بمجمع ناصر الطبي، من التداعيات الكارثية لتوقف نقاط الرعاية الأولية عن توزيع أدوية الأمراض المزمنة. وأوضح أن هذا التوقف ألقى بعبء ثقيل على كاهل المستشفيات المنهكة أصلاً، وعرض آلاف المرضى لمضاعفات طبية كان يمكن تلافيها في حال توفر الحد الأدنى من الرعاية الدوائية.
وتشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة إلى واقع مرير، حيث إن نحو 285 صنفاً دوائياً أساسياً، أي ما يعادل 46% من القائمة الأساسية، غير متوفرة تماماً في القطاع. كما سجلت الوزارة نفاد 66% من المستهلكات الطبية الضرورية، مما جعل المنظومة الصحية عاجزة عن تقديم الخدمات الجراحية أو العلاجية الطارئة للمصابين والمرضى.
تأتي هذه الأزمة الدوائية الخانقة في سياق الحرب الشاملة المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023، والتي استهدفت بشكل مباشر البنية التحتية للمنظومة الصحية في غزة. ومع تجاوز أعداد الشهداء والجرحى مئات الآلاف، يظل نقص الدواء سلاحاً صامتاً يحصد أرواح من نجو من القصف المباشر، وسط صمت دولي حيال هذه الكارثة الطبية.
المصدر:
القدس