آخر الأخبار

الاحتلال البصري في الضفة الغربية: خطة إسرائيل لتغيير الهوية

شارك

تواجه الضفة الغربية المحتلة موجة جديدة من الممارسات الاستيطانية التي تتجاوز السيطرة العسكرية الميدانية، لتصل إلى ما يصفه خبراء بـ 'الاحتلال البصري'. وتهدف هذه التحركات إلى فرض واقع ثقافي وهوياتي جديد من خلال النشر المكثف للرموز الدينية والسياسية الإسرائيلية في الفضاءات العامة والمناطق الحيوية.

ورصدت تقارير ميدانية خلال الأسبوعين الماضيين انتشاراً غير مسبوق للأعلام الإسرائيلية على الطرقات الرئيسية، بالإضافة إلى نصب مجسمات دينية مثل 'الشمعدان' ونجمة داوود فوق قمم التلال وفي الميادين العامة. وتأتي هذه الخطوات في سياق محاولات حثيثة لتطبيع الوجود الاستيطاني وجعله جزءاً أصيلاً من المشهد اليومي في الضفة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن هذه الممارسات تندرج ضمن استراتيجية 'السيادة البصرية' التي تهدف إلى تهيئة الأجواء النفسية والسياسية لضم فعلي وتكريس دائم للاستيطان. وتتزامن هذه التحركات مع إطلاق تسميات توراتية على المدن والقرى الفلسطينية في محاولة لتعزيز الرواية الإسرائيلية التاريخية المزعومة حول المنطقة.

وفي سياق متصل، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن تصاعد حاد في اعتداءات المستوطنين، حيث تم تسجيل نحو 443 اعتداءً منذ أواخر فبراير الماضي. واستغل المستوطنون حالة الاضطراب الإقليمي لتكثيف هجماتهم على التجمعات الفلسطينية، مستهدفين ترهيب السكان ودفعهم نحو الرحيل القسري عن أراضيهم.

من جانبه، أكد حسن بريجية، مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار في جنوب الضفة أن ما يحدث هو استخدام لـ 'القوة الناعمة' لفرض السيادة الإسرائيلية. وأوضح أن هذه العمليات ليست عفوية، بل هي مخطط منظم يحظى بدعم كامل من الحكومة اليمينية التي توفر الغطاء القانوني والأمني للمستوطنين.

وأشار بريجية إلى أن الظاهرة تطورت بشكل خطير لتشمل السيطرة على مبانٍ عامة ومرافق خدمية فلسطينية ورفع الأعلام الإسرائيلية فوقها بقوة السلاح. وذكر مثالاً على ذلك ما جرى في بلدة حوارة جنوب نابلس، حيث تم اقتحام مؤسسات تعليمية وإزالة العلم الفلسطيني ووضع رموز الاحتلال مكانه.

وحذر مراقبون من أن هذه الإجراءات تتم تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال والشرطة، مما يقلص مساحات الحركة والنمو للفلسطينيين. وشدد بريجية على أن الصمود الفلسطيني على الأرض يظل العائق الوحيد أمام استكمال هذا المشروع الذي يستهدف تصفية القضية جغرافياً وبصرياً.

المستوطنون يسعون من خلال نشر الأعلام والرموز إلى ترسيخ حضورهم على الأرض ضمن مخطط منظم تقوده الحكومة اليمينية.

بدوره، حلل الخبير في الشأن الإسرائيلي علاء الريماوي هذه الظاهرة، معتبراً أنها تحمل رسائل سياسية متعددة الاتجاهات. فالرسالة الأولى تستهدف الفلسطينيين لإحباطهم وإشعارهم بأن الأرض باتت جزءاً من المشروع الصهيوني، بينما تهدف الثانية لتعزيز شعور المستوطنين بالانتماء للمكان.

أما الرسالة الثالثة فهي موجهة للمجتمع الدولي، حيث تسعى إسرائيل من خلالها إلى فرض 'أمر واقع' يصعب تغييره في أي مفاوضات مستقبلية. ويرى الريماوي أن الهدف النهائي هو الوصول إلى ما يمكن تسميته بـ 'دولة المستوطنين' في الضفة الغربية، عبر عزل التجمعات الفلسطينية ومحاصرتها بالرموز الإسرائيلية.

ويلعب البعد الديني دوراً محورياً في هذه الاستراتيجية، حيث يتم ربط المواقع الجغرافية الفلسطينية بروايات دينية يهودية لإضفاء شرعية زائفة على الاستيطان. ويشمل ذلك تغيير أسماء المدن التاريخية، مثل إطلاق اسم 'شكيم' على نابلس و'حبرون' على مدينة الخليل، في محاولة لإعادة كتابة التاريخ الجغرافي للمنطقة.

كما تمتد هذه السياسة لتشمل المواقع الأثرية والمقامات، مثل 'قبر يوسف' في نابلس، الذي يدعي المستوطنون أنه مقام ديني مقدس لهم. ورغم تأكيدات علماء الآثار بأن الموقع لا يتجاوز عمره بضعة قرون ويعود لضريح شيخ مسلم، إلا أن الاحتلال يصر على استخدامه كذريعة للاقتحامات المتكررة.

وتستخدم سلطات الاحتلال أيضاً أسماءً مشتقة من جذور عربية وكنعانية لتسمية المستوطنات الجديدة، في عملية تضليل ثقافي تهدف لسرقة التراث المحلي. ومن أمثلة ذلك مستوطنة 'بروخين' التي استمدت اسمها من بلدة بروقين الفلسطينية، مما يعكس عمق محاولات السطو على الهوية المكانية.

إن هذا 'الاحتلال البصري' يمثل مرحلة متقدمة من مراحل المشروع الاستيطاني الذي يسعى لتحويل الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة فاقدة لهويتها العربية. وتتكامل هذه السياسة مع الضغوط الاقتصادية والميدانية التي يمارسها الاحتلال لتقليص الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة 'ج'.

وفي ختام القراءة المشهدية، يظهر أن المعركة في الضفة الغربية لم تعد تقتصر على ملكية الأرض فحسب، بل امتدت لتشمل الوعي والذاكرة البصرية. ويظل التمسك بالرموز الوطنية الفلسطينية والحفاظ على الأسماء التاريخية للمواقع جزءاً أساسياً من المقاومة الشعبية لمواجهة مخططات التهويد.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا