تتصاعد الدعوات الدولية من قادة الرأي والمنظمات الإنسانية لوقف الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ولبنان، في ظل دمار واسع يهدد استقرار المنطقة بأكملها. ومع دخول الحرب أسبوعها السادس، يبدو أن الدوافع الحقيقية تتجاوز الشعارات المعلنة، حيث تبرز رغبة واشنطن في كبح جماح النفوذ الصيني المتنامي الذي يعتمد بشكل أساسي على إمدادات النفط الإيرانية.
ويرى مراقبون أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرك الأهمية الاستراتيجية لطهران كصاحبة ثاني أكبر احتياطي نفطي في 'أوبك'، والمورد الرئيس للقوى الآسيوية الكبرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية. لذا، فإن استهداف إيران يمثل في جوهره محاولة أمريكية لاستعادة الوحدانية القطبية والسيطرة المطلقة على أسواق الطاقة العالمية وطرق إمدادها.
على الصعيد الميداني، أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى شلل في حركة أكثر من 20% من صادرات النفط العالمية، مما وضع الإدارة الأمريكية أمام معضلة حقيقية. ورغم دعوات ترامب لدول حلف شمال الأطلسي 'الناتو' لتولي مهمة فتح المضيق بالقوة، إلا أن التردد يسود الأوساط العسكرية خشية الانزلاق إلى مواجهة شاملة غير مأمونة النتائج.
وتسعى الولايات المتحدة من خلال هذه الحرب إلى تحقيق خمسة أهداف استراتيجية، على رأسها إسقاط النظام السياسي في طهران وتفكيك قدراته العسكرية. كما تهدف واشنطن إلى تقويض حلفاء إيران في فلسطين ولبنان والعراق واليمن، لضمان حماية المصالح الإسرائيلية والأمريكية في منطقة غرب آسيا الحيوية.
ويبرز الملف النووي كأحد المحركات الأساسية للصراع، حيث تطالب واشنطن بتعطيل كامل لبرنامج تخصيب اليورانيوم ووضع اليد على المخزون الإيراني المقدر بنحو 450 كيلوغراماً. وتتطلع الإدارة الأمريكية إلى تفكيك منظومة الصواريخ الباليستية بعيدة المدى التي باتت تشكل تهديداً مباشراً للقواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
وفي سياق إعادة الهيكلة الاقتصادية، تهدف الخطة الأمريكية إلى دمج إيران 'منزوعة السلاح' في النظام الاقتصادي الدولي للسيطرة على مواردها من المعادن النادرة. ويتزامن ذلك مع مساعٍ لإنشاء ممر التجارة والطاقة (IMEC) الذي يربط الهند بدول الخليج وأوروبا عبر إسرائيل، ليكون بديلاً استراتيجياً للمسارات التي تسيطر عليها طهران.
من جانبه، يواجه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ضغوطاً داخلية متزايدة، حيث هاجم المحكمة العليا للسماح بتنظيم تظاهرات مناهضة للحرب في تل أبيب. واعتبر نتنياهو أن هذه التحركات تضعف الجبهة الداخلية في وقت حساس، مقارناً بين حرية التظاهر والقيود المفروضة على الطقوس الدينية خلال عيد الفصح.
وأفادت مصادر ميدانية بأن الشرطة الإسرائيلية استخدمت القوة لفض تجمعات احتجاجية، مما أسفر عن اعتقال 17 شخصاً وإصابة متظاهر بنوبة قلبية استدعت تدخلاً طبياً عاجلاً. وتعكس هذه الاحتجاجات تراجع الثقة الشعبية في مسار الحرب، بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي انخفاضاً ملحوظاً في نسبة التأييد مقارنة ببداية العمليات العسكرية.
وفي ظل الجمود العسكري الحالي، تشير تقارير إلى أن ترامب قد يواجه خيارات بالغة الخطورة، منها منح الضوء الأخضر لاستخدام أسلحة تكتيكية أو ضربات تدمير شامل. وتهدف هذه الخيارات المتطرفة إلى إجبار القيادة الإيرانية على الرضوخ للشروط الأمريكية، رغم التحذيرات من تداعياتها الأخلاقية والسياسية الكارثية على الإدارة الأمريكية.
وتشير القراءات السياسية إلى أن إيران استطاعت حتى الآن امتصاص الصدمة الأولى للحرب، معتمدة على قدرات سيبرانية وعسكرية فاجأت الدوائر الاستخباراتية الغربية. ويرى خبراء أن طهران ربما تكون قد نصبت 'فخاً استراتيجياً' لأعدائها، مستغلة جهلهم بحجم الإمكانات الدفاعية التي طورتها خلال سنوات الحصار.
وعلى الصعيد الإقليمي، فشلت جهود الوساطة التي قادتها دول مثل تركيا وباكستان ومصر في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، حيث وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود. ويصر الجانب الإيراني على رفض الشروط الأمريكية، مؤكداً استعداده لمواجهة طويلة الأمد قد تشهد مفاجآت عسكرية جديدة في الميدان.
ويرى محللون أن الفشل في تحقيق حسم سريع قد يؤدي إلى هزيمة سياسية مدوية لترامب وحزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية المقبلة في نوفمبر. كما يواجه نتنياهو المصير ذاته، حيث يهدد استمرار الحرب دون نتائج ملموسة بانهيار ائتلافه الحاكم وسقوط حكومته في الانتخابات المقررة في أكتوبر.
إن الصراع الدائر حالياً يمثل نقطة تحول تاريخية قد تؤدي إلى ولادة نظام عالمي جديد ينهي حقبة القطبية الواحدة التي تتزعمها الولايات المتحدة. وفي حال صمود إيران، فإنها قد تخرج من هذه المواجهة بقدرة أكبر على فرض شروطها، بما في ذلك فرض رسوم سيادية على الملاحة في مضيق هرمز لتعويض خسائرها.
ختاماً، تبقى المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية الكبرى مع الطموحات الجيوسياسية، في حرب يصفها مراقبون بأنها 'معركة تكسير عظام' ستحدد ملامح النفوذ في الشرق الأوسط للعقود القادمة، وسط ترقب عالمي لما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تطورات ميدانية ودبلوماسية.
المصدر:
القدس