بدأت تداعيات الحرب المستمرة على قطاع غزة تفرض واقعاً سياسياً جديداً داخل الولايات المتحدة، حيث لم يعد الدعم المطلق لتل أبيب محل إجماع كما كان سابقاً. ومع ظهور ملامح الإبادة الجماعية بوضوح، انتقل الحراك من الشوارع الأمريكية والمظاهرات الطلابية إلى داخل أروقة صناعة القرار في واشنطن، مما أحدث انقساماً عميقاً في صفوف الحزب الديمقراطي.
تشير تقارير صحفية دولية إلى أن لغة قيادات الحزب الديمقراطي في الكونغرس شهدت تحولاً نحو الصرامة تجاه السياسات الإسرائيلية، لا سيما فيما يخص التوسع الاستيطاني والعمليات العسكرية. هذا التغير يعكس ضغوطاً داخلية متزايدة تطالب بوضع حد للتبعية السياسية التي قد تجر الولايات المتحدة إلى مواجهات إقليمية أوسع، خاصة مع إيران.
برزت مواقف لافتة لشخصيات ديمقراطية وازنة، من بينها غافين نيوسوم الذي لم يتردد في وصف إسرائيل بدولة 'فصل عنصري'، موجهاً انتقادات حادة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. هذه التصريحات تعكس جرأة غير مسبوقة في تسمية الأشياء بمسمياتها داخل النخبة السياسية الأمريكية التي كانت تتجنب مثل هذه الأوصاف لعقود.
من جانبه، حمّل السيناتور كريس مورفي الجانب الإسرائيلي مسؤولية محاولة توريط واشنطن في صراعات عسكرية مباشرة في المنطقة، محذراً من كلفة هذا الانجرار. ويرى مراقبون أن هذا الخطاب يمثل تياراً متنامياً يرفض تقديم المصالح الإسرائيلية على حساب الأمن القومي الأمريكي والمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة.
التحول لم يقتصر على الجناح التقدمي فحسب، بل امتد ليشمل شخصيات يهودية بارزة كانت تعد من أعمدة الدعم التقليدي، مثل رام إيمانويل وجاي بي بريتزكر. فقد أعلن هؤلاء ابتعادهم عن منظمة 'أيباك'، معتبرين أن جماعة الضغط هذه لم تعد تمثل التوجهات التي يرغبون في الارتباط بها في ظل السياسات الحالية.
تعزز استطلاعات الرأي الحديثة هذا التوجه، حيث كشف استطلاع لشبكة 'إن بي سي نيوز' عن أرقام صادمة للمؤسسة التقليدية، إذ أبدى 67% من الديمقراطيين تعاطفهم مع الفلسطينيين. وفي المقابل، تراجعت نسبة الذين ينظرون بإيجابية إلى إسرائيل إلى 13% فقط، وهو انخفاض حاد يقدر بنحو 34% مقارنة بالعام الماضي.
يرى محللون سياسيون أن هذا التغيير الجذري في القواعد الشعبية سيؤثر بشكل مباشر على الخارطة الانتخابية لعام 2028، حيث سيجد المرشحون أنفسهم مضطرين للموازنة بين إرث الدعم التقليدي وبين مطالب جيل جديد يرفض تمويل الحروب. لقد أصبح الدعم الأعمى بمثابة 'فخ سياسي' يهدد المستقبل المهني للعديد من الطامحين للمناصب العليا.
على صعيد التفاعل الشعبي، تتزايد التساؤلات حول الثمن الذي تدفعه الولايات المتحدة مقابل هذا التحالف، حيث تشير مصادر إلى أن النقاش العام بدأ يتحول نحو المساءلة المالية والأخلاقية. ويرى نشطاء أن استمرار هذا النهج قد يضع الولايات المتحدة في عزلة دولية، ويشبهون نظرة العالم لها بنظرة تاريخية سلبية تجاه أنظمة سابقة.
ختاماً، يبدو أن المشهد السياسي الأمريكي يتجه نحو إعادة تعريف علاقته مع الشرق الأوسط، حيث لم تعد إسرائيل 'البقرة المقدسة' التي لا يمكن مساسها. إن تزايد المظاهرات المؤيدة لفلسطين وتبني شعاراتها داخل الأوساط التقدمية يؤكد أن التغيير ليس مجرد موجة عابرة، بل هو تحول بنيوي في هوية الحزب الديمقراطي الحديث.
المصدر:
القدس