يقدم كتاب 'لا بأس من الغضب على الرأسمالية' للسناتور الأمريكي بيرني ساندرز تشريحاً نقدياً للنظام الاقتصادي العالمي المعاصر، معتبراً أن العولمة الرأسمالية المتوحشة باتت تهدد الهوية الإنسانية وتلغي التمايزات الحضارية. ويرى ساندرز أن النظام الحالي يعتمد على مبدأ 'صلاح السوق وفساد الدولة'، مما أدى إلى تغول الشركات الكبرى على حساب الحقوق الاجتماعية الأساسية للشعوب.
يربط المؤلف بين 'العصر الذهبي' للرأسمالية في القرن التاسع عشر وبين الواقع الراهن، مشيراً إلى أن الهيمنة الأمريكية الحالية تعيد إنتاج الكولونيالية القديمة بوسائل تكنولوجية وعسكرية أشد عنفاً. ويؤكد أن هذا النظام العالمي الجديد، الذي روج له دونالد ترامب، يسعى لإخضاع كافة مجالات الحياة لقانون الربحية المطلق، مما يستدعي تدخلاً عسكرياً دائماً لحماية مصالح رأس المال الاحتكاري.
يتناول ساندرز في كتابه الأساطير المؤسسة للسياسة الأمريكية، موضحاً كيف يساهم الإعلام ونظام التعليم في تزييف الوعي الجمعي وتبرير التدخلات الخارجية الإجرامية. واستشهد بنماذج تاريخية مثل غزو العراق عام 2003 وإسقاط النظام في ليبيا عام 2011، حيث اعتمدت واشنطن على معلومات مضللة لتدمير دول وتركها نهباً للفوضى والإرهاب.
وفيما يخص القضية الفلسطينية، يبرز الكتاب مواقف ساندرز المبدئية في رفض حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر. وقد انتقد بشدة صفقات الأسلحة الأمريكية الموجهة للكيان الصهيوني، محذراً من خطط التهجير القسري للفلسطينيين، ومشدداً على ضرورة إعادة إعمار القطاع لصالح أهله وليس للمستثمرين الأثرياء.
يشير ساندرز إلى أن العلاقة بين الديمقراطية والرأسمالية هي 'علاقة مزعومة' لا تصمد أمام الواقع، حيث تعاني الرأسمالية اليوم من مأزق فكري ومادي عميق. ويرى أن الأزمة ثلاثية الأبعاد، تشمل هدراً في الإنتاج، وتوزيعاً غير عادل للثروات، وعجزاً ديمقراطياً يجعل القرار السياسي رهينة بيد القلة المهيمنة.
يطرح الكتاب 'الصفقة الجديدة' كمخطط للتغيير التدريجي، داعياً إلى تشكيل تحالف طبقي عريض يضم العمال والمهمشين للنضال من أجل حكومة تمثل عموم الأمريكيين. ويهدف هذا المشروع إلى انتزاع الحقوق الاقتصادية كحقوق إنسان أصيلة، لا تقل أهمية عن الحقوق السياسية والمدنية التي كفلها الدستور نظرياً وغابت عملياً.
تكشف الأرقام التي ساقها ساندرز عن فجوة مرعبة في توزيع الثروة، حيث يمتلك ثلاثة مليارديرات فقط ما يعادل ثروة نصف سكان الولايات المتحدة الأدنى دخلاً. وقد تفاقمت هذه الظاهرة خلال جائحة كورونا، التي شهدت أسرع عملية إعادة توزيع للثروة نحو الأعلى في التاريخ الحديث، مما زاد من غضب الطبقات الكادحة.
يعيد ساندرز التذكير بإنجازات الرئيس روزفلت خلال فترة الكساد الكبير، وكيف نجحت المشاركة السياسية في إقرار الضمان الاجتماعي ومشاريع البنية التحتية الكبرى. ويقارن ذلك بالواقع الحالي الذي يشهد ضعفاً في الحركة العمالية وغياباً للبدائل الأيديولوجية القوية التي كانت تخيف المحافظين وتدفعهم لتقديم تنازلات اجتماعية.
يوضح الكتاب كيف تم الالتفاف على الإصلاحات الضريبية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، حيث نجحت الشركات في إضعاف الضوابط الحكومية وتحويل عبء الضرائب إلى الطبقة المتوسطة. ويؤكد أن الأموال الناتجة عن الأرباح الفاحشة تُستخدم لتمويل الحملات الانتخابية وشراء السياسيين، مما أدى إلى إجهاض أي محاولة حقيقية للتغيير الاجتماعي.
يتحدث ساندرز بمرارة عن تجربته كرئيس للجنة الموازنة في مجلس الشيوخ، متهماً أعضاء في حزبه الديمقراطي بالخيانة وتقويض 'خطة الإنقاذ الأمريكية'. وأشار بالاسم إلى جو مانشن وكرستن سينما، معتبراً أن تمويل حملاتهما من قبل الشركات كان السبب الرئيس وراء عرقلة القوانين التي تخدم العوائل الفقيرة والأقليات.
رغم الهجوم الذي تعرض له من مؤسسة الحزب الديمقراطي التقليدية، يرى المحللون أن روح ساندرز القتالية نجحت في دفع مطالب العمال إلى مركز النقاش السياسي. فقد تحولت أفكار مثل التأمين الصحي الشامل والتعليم المجاني من 'أحلام مستحيلة' إلى بنود أساسية مطروحة على طاولة المفاوضات السياسية في واشنطن.
يختتم ساندرز أطروحته بالتأكيد على أن الحق في بيئة نظيفة ومكافحة التغير المناخي هو جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان المعاصرة. ويحذر من أن الاستمرار في الاعتماد على الوقود الأحفوري وتجاهل التهديدات البيئية سيؤدي إلى كوارث طبيعية تجعل أجزاء واسعة من كوكب الأرض غير صالحة للسكن.
يبقى كتاب 'لا بأس من الغضب على الرأسمالية' صرخة في وجه النظام الذي يقدس الاستهلاك الشره والإثراء غير المحدود على حساب كرامة الإنسان. إنها دعوة لاستعادة 'الأمن الاقتصادي' كشرط أساسي للحرية الفردية، وتذكير بأن العدالة الاجتماعية لن تتحقق إلا بإيمان الشعوب بحقها في العيش الكريم بعيداً عن توحش الأسواق.
المصدر:
القدس