في قلب المعاناة التي يعيشها قطاع غزة، تبرز قصص إنسانية تتجاوز حدود الوصف، حيث تحولت العكازات من مجرد أدوات مساعدة إلى ركائز أساسية للإنتاج والحياة. يضطر الجرحى الفلسطينيون اليوم إلى تكييف أجسادهم المنهكة وتطوير مهارات بديلة تتناسب مع مهن شاقة تتطلب وقوفاً طويلاً، في ظل غياب تام للبنية التحتية المهيأة أو الأطراف الصناعية المتطورة التي قد تخفف من وطأة إصاباتهم.
تجسد حكاية المصور الصحفي سامي شحادة نموذجاً حياً لهذا التحدي، فبعد أن فقد ساقه اليمنى بقذيفة إسرائيلية في منتصف أبريل 2024، لم يستسلم لواقع العجز. عاد شحادة إلى الميدان بعد شهر واحد فقط من الإصابة، حاملاً كاميرته ليوثق الدمار الذي كان هو نفسه أحد ضحاياه، مؤكداً أن العدسة تمنحه التوازن الذي فقده جسده.
يتحرك سامي اليوم بحذر شديد فوق ركام المنازل المدمرة، حيث تتطلب كل لقطة مجهوداً مضاعفاً لتأمين توازنه وضمان عدم السقوط. يقول شحادة إن حركته باتت محسوبة بالمليمتر، وأنه يحتاج أحياناً لمن يسنده عند الصعود فوق الأنقاض، لكنه يصر على مواصلة رسالته المهنية التي بدأت قبل نحو 17 عاماً في تغطية الأحداث الميدانية.
وعلى صعيد آخر، يروي محمد أحمد نصير قصة نجاته من الموت المحقق تحت أنقاض المستشفى الإندونيسي في نوفمبر 2024، ليخرج بإصابات بليغة أدت لبتر ساقه. وجد نصير نفسه نازحاً في خيمة بمخيم الجوازات، مثقلاً بمسؤولية إعالة أطفاله الستة في ظل ظروف اقتصادية طاحنة وغلاء فاحش في أسعار المواد الأساسية والخضروات.
لم يقف نصير مكتوف الأيدي، بل قرر استصلاح مساحة ضيقة من الأرض الرملية بجوار خيمته لزراعة بعض الخضروات الأساسية مثل الفجل والجرجير. يضطر محمد للجلوس على مقعد خشبي صغير والانحناء بجذعه للوصول إلى التربة، مستخدماً أدوات يدوية بسيطة لتقليب الأرض المليئة بالحجارة، في وضعيات جلوس تسبب له آلاماً حادة في الظهر والساق.
تعتبر الزراعة بالنسبة لنصير وسيلة للبقاء وليست مجرد نشاط عابر، حيث يساعده أبناؤه في جلب الماء من مسافات بعيدة لري المزروعات. ورغم أحلامه بالحصول على طرف صناعي يسهل حركته، إلا أن طموحه الأكبر يتركز في العودة لمهنته الأصلية في النجارة، مؤكداً أن العمل اليدوي هو السبيل الوحيد لحفظ كرامة عائلته.
وفي منطقة الصبرة، يقف الحلاق معاوية الوحيدي خلف كرسي بلاستيكي على رصيف ترابي، ممسكاً بمقصه ليمارس مهنته بساق واحدة فقط. فقد معاوية ساقه في عدوان عام 2021، لكن الحرب الحالية هدمت منزله وصالونه، مما اضطره لتحويل الرصيف إلى مساحة عمل بديلة لتأمين قوت يومه.
تتضاعف معاناة معاوية مع حلول فصل الشتاء، حيث يزيد البرد من تيبس العضلات المحيطة بمكان البتر، كما أن الأمطار تجبره على إيقاف العمل تماماً. ومع ذلك، يصر على التواجد يومياً في مكانه، مشيراً إلى أن عمله بنسبة ضئيلة من قدرته السابقة هو ما يمنعه من مد يده للآخرين لطلب المساعدة.
تمثل هذه القصص الثلاث جزءاً صغيراً من واقع مرير يعيشه نحو 12 ألف مبتور في قطاع غزة، حيث خلفت العمليات العسكرية المستمرة آلاف الإعاقات الدائمة. هؤلاء الجرحى لا يواجهون فقط آلام الفقد الجسدي، بل يصارعون يومياً من أجل انتزاع حقهم في العمل والحياة الكريمة وسط ركام الحرب والحصار.
إن الإصرار الذي يبديه هؤلاء الرجال يعيد تعريف معنى الصمود الشعبي في غزة، حيث لا يقتصر الأمر على البقاء على قيد الحياة، بل يتعداه إلى الإنتاج والعطاء. فالمصور والحلاق والمزارع، جميعهم يشتركون في رفض الاعتزال القسري، محولين النقص الجسدي إلى دافع إضافي للاستمرار في مهنهم الأصلية رغم كل المعوقات.
تفتقر غزة اليوم إلى مراكز متخصصة لإعادة التأهيل أو توفير أطراف صناعية ذكية تساعد هؤلاء الجرحى على استعادة حياتهم الطبيعية بشكل أفضل. وتظل المناشدات الدولية قائمة بضرورة توفير الرعاية الطبية اللازمة لآلاف المصابين الذين يواجهون مستقبلاً مجهولاً في ظل استمرار إغلاق المعابر ونقص الإمكانيات الطبية.
وفي ختام هذه الحكايات، يبرز التمسك بالأدوات المهنية كرمز للنجاة؛ فالكاميرا والمقص والمطرقة ليست مجرد أدوات عمل، بل هي أسلحة في معركة البقاء. هؤلاء المبتورون يثبتون للعالم أن الإعاقة الحقيقية ليست في الجسد، بل في العجز عن مواصلة الحلم والعمل تحت أقسى الظروف الممكنة.
ستظل قصص سامي ومحمد ومعاوية شاهدة على مرحلة فارقة من تاريخ الشعب الفلسطيني، حيث يكتب الجرحى بدمائهم وعرقهم فصولاً من الكبرياء. إنهم يقدمون نموذجاً حياً لصمود لا يحتاج إلى قصائد لوصفه، بل يُرى بالعين المجردة في كل حركة وسكنة يقومون بها على أرض غزة المنهكة.
المصدر:
القدس