يقبع العراق تحت وطأة توتر أمني متصاعد، مرتبطا بالصراع الإقليمي الأوسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، منذ أواخر فبراير الماضي، في خضم الهجمات التي ينفذها الحشد الشعبي بطائرات مسيرة وصواريخ على مصالح أميركية وأهداف أخرى انطلاقا من الأراضي العراقية.
ومنذ اندلاع النزاع، تضاعفت وتيرة الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة ضد مواقع أميركية وقواعد أجنبية في العراق، بما في ذلك المناطق الشمالية قرب أربيل والجنوبية في البصرة، فيما أعلنت فصائل مسلحة موالية لإيران مسؤوليتها عن العديد من هذه العمليات، وغالبها يستهدف مصالح تمثل الوجود الأميركي في البلاد.
ومنذ اندلاع الصراع تعرضت محافظة أربيل بكردستان العراق ومحيطها لأكثر من 500 هجوم بالمسيرات، بحسب تصريحات محافظ أربيل، أميد خوشناو.
وردا على ذلك، كثفت القوات الأميركية ضرباتها ضد مواقع تنسب إلى الحشد الشعبي والفصائل الموالية لإيران داخل الأراضي العراقية، وقد شملت هذه الضربات عمليات جوية انتقائية ضد أهداف تعتبرها واشنطن جزءًا من بنى دعم العمليات المسلحة.
غادروا فورا
يأتي ذلك في الوقت الذي حذرت فيه السفارة الأميركية في بغداد المواطنين الأميركيين من البقاء في العراق، داعية إياهم إلى مغادرته فورا، على خلفية معلومات أمنية تشير إلى تهديدات بهجمات وشيكة في العاصمة العراقية.
وقالت السفارة، في تنبيه أمني، إن "ميليشيات إرهابية عراقية متحالفة مع إيران قد تعتزم تنفيذ هجمات في وسط بغداد خلال الـ24 إلى 48 ساعة القادمة"، متهمة الحكومة العراقية بعدم القدرة على منع الهجمات التي تنطلق من داخل أراضيها، واحتمال وجود ارتباطات بين بعض الجماعات المسلحة وأجهزة الدولة.
وجاءت هذه التحذيرات الأميركية في وقت ذكر فيه مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، أن بلاده اتخذت إجراءات تهدف لحماية البعثات الدبلوماسية والهيئات الدولية في البلاد، معتبرا أن "العراق يتبع سياسة متوازنة في علاقاته مع جميع الدول، ويعمل مع الدول الشقيقة والصديقة لاحتواء الأزمة ووقف التصعيد".
كيف يرى العالم ما يحدث في العراق؟
ذكرت مجلة "فورين أفيرز" الأميركية أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران أثارت أحد الكوابيس الطويلة المخاوف في الشرق الأوسط، متمثلا في اندلاع صراع إقليمي شامل، في حين كان لتوسع هذا الصراع عواقب بالغة الأهمية على العراق.
وخلال السنوات القليلة الماضية، تجنب العراق الانخراط في الاضطرابات التي أعقبت هجمات السابع من أكتوبر على إسرائيل، وعلى الرغم من الروابط الوثيقة مع طهران، نجحت بغداد إلى حد كبير في البقاء خارج خط النار، إلى حد كبير لأن الحكومتين الإيرانية والعراقية شجعتا الميليشيات الموالية لإيران في العراق على عدم الانضمام إلى القتال.
وأشارت المجلة الأميركية إلى أن العراق سعى إلى استراتيجية حذرة للتعددية في التحالفات، محافظا على علاقاته مع كل من إيران والولايات المتحدة في محاولة لتجنب الانجرار إلى الصراع، بيد أن الحرب الحالية تدفع هذا التوازن الهش إلى أقصى حدوده، فمع تخلي إيران عن الحفاظ على الوضع الإقليمي الراهن لصالح استراتيجية الإرباك، فهي على استعداد أيضًا لتعريض استقرار العراق للخطر.
عسكريا، شنت الجماعات المسلحة الموالية لإيران مئات الهجمات على القواعد الأميركية في العراق والدول المجاورة، كما قصفت القوات الإيرانية عدة مواقع في كردستان العراق، ما أدى إلى مقتل مقاتلين ينتمون إلى البيشمركة، وضربت أيضا منشآت هامة لإنتاج النفط، وفي المقابل شنت واشنطن ضربات على أهداف مرتبطة بالميليشيات الموالية لإيران في العراق، فاتحة جبهة كانت حريصة على إبقائها مغلقة خلال السنوات الماضية.
في حين أفادت مصادر عسكرية بتعرض مقار للحشد الشعبي لغارات جوية أسفرت عن وقوع إصابات.
بدوره، قال مسؤول كردي لـ"فوكس نيوز" إن "الميليشيات تنفذ أوامر إيران، إذ هاجموا القوات والدبلوماسيين الأميركيين، وأجهزة المخابرات العراقية، والقوات الفرنسية، وبيشمركة إقليم كردستان، كما لم تُستثن البنية التحتية للطاقة والمدنية".
العراق.. في دائرة الصراع
بدوره، أوضح رائد العزاوي، مدير مركز الأمصار للدراسات الاستراتيجية، في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن العراق يواجه مخاطر كبيرة نتيجة التصعيد الراهن، مشيرا إلى أن "العراق بات في قلب الصراع، نظرا لوجود الميليشيات الموالية لإيران في سياق المعركة".
وأضاف العزاوي: "العراق الطرف الأضعف في هذه المعركة، وهو ساحة حرب لكلا الطرفين، إذ يتعرض للقصف الأميركي والإيراني، كما يواجه تهديدا مباشرا لوجوده، في حين أن حكومة محمد شياع السوداني سعت إلى نأي العراق عن هذا الصراع، وحذرت جميع الأطراف، بما في ذلك إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، من استخدام العراق ساحة لتصفية الحسابات، لكن الواقع الحالي يؤكد أن العراق أصبح جزءًا من الصراع ويواجه خطرًا حقيقيًا على الدولة والحكومة".
وشدد العزاوي على أن التعثر السياسي الحالي في اختيار رئيس وزراء ورئيس جمهورية عمّق الأزمة.
وعن التأثيرات السياسية والعسكرية للحرب، أكد أن "التصعيد الحالي سيؤثر بلا شك على طبيعة العلاقة مع واشنطن، خاصة في ظل مشاركة مجموعات مسلحة في الهجمات، وإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة استهدفت منشآت ومصالح أمريكية، بما في ذلك السفارة الأمريكية، وهو ما ستكون له تداعيات ليس فقط على العلاقات الثنائية، بل أيضًا على موقع العراق دوليًا، في ظل تأثر المجتمع الدولي بهذه التطورات".
ولفت إلى أن "العلاقة مع الولايات المتحدة تظل ذات أهمية استراتيجية للعراق"، مشيرًا إلى أن حكومة السوداني تسعى إلى الحفاظ على قنوات التواصل مع واشنطن، رغم المواقف الأمريكية المتشددة تجاه مسألة وقف إطلاق النار.
وفيما يتعلق بإيران، أوضح العزاوي أن "طبيعة القيادة في طهران لم تشهد تغيرًا جوهريًا في السياسات، رغم تغير بعض الوجوه"، مضيفًا أن "الاستراتيجية الإيرانية في العراق والمنطقة ستظل على حالها، ما لم يحدث تحول جذري يتمثل في انهيار كامل للنظام، وهو سيناريو يبدو صعب التحقق".
جبهة استنزاف
من بغداد، قال رئيس مركز التفكير السياسي، الدكتور إحسان الشمري، في تصريحات لـ"سكاي نيوز عربية"، إن "العراق أصبح فعليًا جزءًا من هذه الحرب، بعد إعلان الفصائل المسلحة الموالية لإيران تحويله إلى جبهة استنزاف للوجود الأمريكي، في محاولة لتعزيز أوراق الضغط لصالح طهران".
وأوضح أن هذا التوجه "حوّل العراق إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وهذه الفصائل، حيث أسهمت الضربات المتبادلة في خلق حالة من الارتباك الأمني، إلى جانب انتهاك السيادة العراقية جوًا وبرًا وحتى في المياه الإقليمية، كما ظهر في استهداف ناقلات نفط داخل المياه العراقية".
وعن تداعيات الموقف الراهن على العراق، أضاف الشمري أن "الانعكاسات الأمنية سلبية للغاية، وهناك مؤشرات على تصاعد محتمل يتجاوز نمط الضربات المتبادلة، ليشمل استهداف مؤسسات مدنية وعسكرية، وربما عمليات اختطاف، وهو ما يجعل جميع سيناريوهات التصعيد مفتوحة، في ظل غياب أي اتفاق بين واشنطن وطهران للعودة إلى طاولة المفاوضات أو التوصل إلى هدنة تنعكس إيجابًا على العراق".
وفيما يتعلق بالعلاقات الخارجية، أوضح الشمري أن "العراق كان يعتمد تقليديًا على سياسة التوازن بين واشنطن وطهران، إلا أن تحوله إلى ساحة صراع أدى إلى كسر هذا التوازن بشكل واضح"، مشيرًا إلى أن "الولايات المتحدة بدأت بالابتعاد تدريجيًا عن العراق، ليس فقط عبر تقليص وجودها، بل أيضًا من خلال احتمالات تجميد اتفاقية الإطار الاستراتيجي".
تداعيات اقتصادية
أما اقتصاديًا، فأشار مدير مركز الأمصار إلى أن العراق يخسر يوميا نحو 3 ملايين برميل من النفط، ما يعادل خسارة حوالي 6 مليارات دولار شهريًا من عائداته النفطية وغيرها، فضلًا عن تسبب الحرب في وقف التجارة البينية وتأثيرها بشكل كبير على الطيران والسياحة، ما يزيد الضغوط الاقتصادية على البلاد، لافتًا في الوقت ذاته إلى أن العراق معرض لاحتمال العقوبات الأمريكية، نظرًا لأن عائداته النفطية تمر عبر البنك الفيدرالي الأمريكي قبل تحويلها إلى بغداد.
وأكد العزاوي أن "الحكومة العراقية تسعى لإيجاد بدائل وحلول للتخفيف من حدة الخسائر الاقتصادية، بما في ذلك ترشيد الاستهلاك وخفض النفقات، مع العمل على جهود عراقية لوقف إطلاق النار وتحقيق سلام عادل بين جميع الأطراف، بعيدًا عن العودة إلى الحرب مرة أخرى".
واتفق مع ذلك رئيس مركز التفكير السياسي، إحسان الشمري، الذي شدد على أن "العراق يعد من أكثر الدول تضررا، لا سيما مع غلق مضيق هرمز وتعطل موانئ ومنصات تصدير النفط في البصرة، ما حرم البلاد من نحو 90% من وارداته، وهو ما يهدد الاستقرار المالي، خاصة في ظل معاناة الاقتصاد العراقي مسبقًا من نقص السيولة".
وقال "الشمري" إن "الأزمة مرشحة للتفاقم، مع تحذيرات من صعوبة تأمين رواتب الموظفين خلال الأشهر المقبلة، وهو ما قد يفاقم حالة الاستياء، نظرًا لاعتماد الاقتصاد بشكل كبير على الإنفاق الحكومي".
وأشار إلى أن الحكومة العراقية "تواجه تحديات كبيرة في احتواء الأزمة، إذ إن محاولات التهدئة بين الفصائل والقوات الأميركية لم تصمد طويلا، كما أن محدودية الصلاحيات السياسية للحكومة الحالية تقلص من قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة".
وأضاف أن "البدائل الاقتصادية المتاحة، بما في ذلك استئناف تصدير النفط عبر إقليم كردستان أو الخطوط البرية، لا تكفي لتعويض الخسائر، إذ لا تتجاوز الإيرادات المتوقعة نحو 1.5 مليار دولار شهريًا، في حين يحتاج العراق إلى ما بين 7 و7.5 مليارات دولار شهريًا لتغطية نفقاته، ما يعكس حجم الأزمة وتعقيداتها".
واختتم الشمري بالقول إن "العراق قد يواجه في المرحلة المقبلة خطر العزلة الاقتصادية، وهي من أخطر التحديات التي تهدد استقراره، في ظل تعقيدات المشهدين الأمني والسياسي".
المصدر:
سكاي نيوز