آخر الأخبار

وفاة المفكر محمد مورو: سيرة كاتب اشتبك مع قضايا فلسطين والوع

شارك

فقدت الساحة الفكرية العربية اليوم المفكر الدكتور محمد مورو، الذي غيبه الموت عن عمر ناهز السبعين عاماً، بعد مسيرة حافلة بالعطاء المعرفي والاشتباك مع قضايا الأمة الكبرى. لم يكن مورو مجرد كاتب عابر، بل مثل فصلاً ممتداً من سيرة جيل عاش الفكرة كمسؤولية أخلاقية وامتحان وطني، دافعاً ثمن مواقفه دون مساومة.

تشكلت شخصية الراحل في خضم المحن والشدائد، حيث كانت تجربة الاعتقال بالنسبة له فضاءً لاتساع الأفكار وتحرر الروح رغم ضيق الجدران. ومن داخل الزنزانة، تبلورت معالمه الفكرية كعقل لا يتوقف عن التفكير وقلب لا يتراجع أمام الخوف، مؤمناً بأن الكلمة ضرورة وجودية لحفظ الكرامة والوعي.

عاش مورو سنوات طويلة من شظف العيش وتقاسم مع رفاقه ضيق الإمكانات، لكنه لم يعرف يوماً شحاً في الإيمان بما يكتبه أو بذل الفكرة لمن يطلبها. كان يرى أن الكتابة الحقيقية هي تلك التي تنبع من داخل المعركة، وليست مجرد تنظير بارد يراقب الأحداث من بعيد دون الانخراط في تفاصيلها.

تناولت مؤلفات الراحل التي قاربت المئة كتاب قضايا استراتيجية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية ومواجهة الهيمنة الدولية والتحولات السياسية في المنطقة العربية. كما غاص في تحليل الصراع الحضاري، معتبراً أن ما يجري على السطح السياسي ليس إلا انعكاساً لمشاريع تُطبخ في العمق وتستهدف هوية الأمة قبل حدودها.

امتلك مورو قدرة نادرة على استشراف المآلات السياسية بناءً على قراءة عميقة للسنن التاريخية وربط الحاضر بجذوره. كان صوته حاضراً في المحطات المفصلية، يحذر من المسارات الخاطئة ويكشف الأجندات الخفية، مفضلاً قول الحق بوضوح حتى وإن خالف السائد أو أغضب القوى المتصدرة للمشهد.

لم تقتصر رسالته على مخاطبة النخبة والمثقفين فحسب، بل امتد عطاؤه ليشمل الأجيال الناشئة عبر كتابة عشرات القصص للأطفال. كان يدرك بعمق أن معركة الوعي تبدأ من عقول الصغار، حيث تُزرع البذور الأولى للفكر وتُبنى ملامح الإنسان القادر على مواجهة تحديات المستقبل.

آمن الراحل بمدرسة الوسطية الإسلامية كمشروع عملي يُبنى في الفكر ويُترجم في المواقف، بعيداً عن الشعارات الجوفاء. ونادى بضرورة التغيير عبر الجماهير الواعية والعمل السلمي، مؤكداً أن الحوار هو الأصل في التعامل مع الخلافات الفكرية والسياسية داخل المجتمع.

كان يؤمن أن الفكرة إذا لم تُعاش لا تُكتب، وأن الكلمة إذا لم تُدفَع ثمنًا لا تُثمر أثرًا.

احتلت فلسطين والقدس مكانة مركزية في وعي محمد مورو، حيث كتب عن المسجد الأقصى والمخاطر التي تتهدده برؤية استشرافية سبقت الأحداث الجارية. كان يرى أن تحرير الأرض مرتبط عضوياً بوعي الأمة وحركتها الجماهيرية، وأن القضية إذا سكنت الضمير تحولت إلى قوة لا تُقهر.

رغم توليه مناصب إعلامية بارزة ورئاسة تحرير مجلات مرموقة، إلا أنه ظل زاهداً في الأضواء وعاشقاً للتأثير الهادئ في العقول. اختار أن يترك أثره في القراء لا في المشاهدين، فكان يكتب ليفهم الناس لا ليصفقوا له، مما جعل حضوره الفكري أعمق بكثير من ظهوره الإعلامي.

تميز أسلوبه بالجمع بين العمق الفلسفي والبساطة النافذة، حيث كانت كتاباته مشبعة بالهموم الوطنية ومثقلة بالمسؤولية تجاه قضايا المستضعفين. لم يتعامل مع القلم كحرفة للرزق، بل كشاهد حق يرفض الزور ويسعى لكشف الحقائق مهما كانت التضحيات المطلوبة.

أفادت مصادر مقربة من الراحل بأنه ظل وفياً لمبادئه حتى اللحظات الأخيرة، محتفظاً بذاكرة متقدة وقدرة على تحليل أعقد الملفات السياسية. ترك مورو خلفه إرثاً من الحوارات الطويلة والأفكار التي لا تزال تبحث عمن يحملها ويواصل بها طريق التحرر والوعي.

رحيل محمد مورو يترك فجوة في جدار الفكر العربي المعاصر، خاصة في ظل ندرة المفكرين الذين يجمعون بين التنظير والممارسة الميدانية. إن غيابه اليوم يعيد طرح الأسئلة الكبرى التي أفنى عمره في محاولة الإجابة عليها، والمتعلقة بمستقبل الأمة وصراعها الوجودي.

يُعد الراحل نموذجاً للمثقف العضوي الذي لم ينفصل يوماً عن واقع شعبه وأمته، وظل متمسكاً بالأمل رغم قتامة الظروف المحيطة. إن مؤلفاته التي تزين المكتبة العربية ستظل منارة للباحثين عن فهم أعمق لآليات الصراع الدولي وكيفية استعادة السيادة الحضارية.

ودعت الأوساط الثقافية مورو بكلمات مؤثرة، مستذكرة مواقفه الشجاعة وصبره على الابتلاءات التي واجهته طوال مسيرته. وبقي رحيله صامتاً كما كانت حياته، لكن أثره سيبقى نابضاً في العقول والقلوب التي آمنت معه بأن المعاني الكبيرة لا تموت برحيل أصحابها.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا