كشفت الرشقة الصاروخية الأخيرة التي استهدفت وسط إسرائيل عن تطور نوعي في طبيعة السلاح المستخدم، حيث برز استخدام الصواريخ العنقودية ذات القدرة التدميرية الواسعة. هذه الصواريخ لا تكتفي بضرب نقطة محددة، بل تمتد آثارها لتشمل نطاقات جغرافية شاسعة، مما يضع المناطق الحضرية المكتظة في دائرة استهداف مباشرة وغير مسبوقة.
أفادت مصادر ميدانية بأن صافرات الإنذار دوت في مساحات واسعة شملت منطقة تل أبيب الكبرى والسهل الساحلي، وصولاً إلى السفوح الغربية للضفة الغربية ومدينة نتانيا شمالاً. هذا الانتشار الواسع للإنذارات يعكس طبيعة الهجوم الذي لم يعد يقتصر على أهداف عسكرية معزولة، بل بات يهدد البنية التحتية والمناطق السكنية بشكل مكثف.
أكدت تقارير عبرية سقوط شظايا وذخائر تابعة لصاروخ عنقودي في مناطق متعددة، من أبرزها بني براك وبتاح تكفا، حيث تناثرت المتفجرات في ما لا يقل عن عشرة مواقع مختلفة. تسببت هذه الذخائر في اندلاع حرائق واسعة في المركبات والمباني، مما أدى إلى أضرار مادية جسيمة في قلب الكتلة العمرانية الإسرائيلية.
سجلت الطواقم الطبية ارتفاعاً في عدد المصابين ليصل إلى 9 أشخاص جراء هذه الضربة، بعد أن كانت التقديرات الأولية تشير إلى عدم وجود إصابات بشرية. ومع وصول فرق الإسعاف إلى مواقع السقوط المتعددة، بدأت تتكشف الصورة الحقيقية لحجم الخسائر الناتجة عن تناثر الرؤوس المتفجرة الصغيرة في الأحياء السكنية.
أوضحت مصادر مطلعة أن الصاروخ الذي استهدف تل أبيب تعرض لعملية اعتراض جزئي، إلا أن ذلك لم يمنع حمولته من الذخائر الصغيرة من مواصلة السقوط. وتكمن الخطورة الكبرى في أن هذه الصواريخ تنفجر في الجو أو عند اعتراضها، مطلقة عشرات القنابل التي تتوزع عشوائياً فوق رؤوس المدنيين.
تصل دائرة انتشار هذه الذخائر العنقودية إلى قطر يبلغ نحو 10 كيلومترات، وهو ما يفسر تعدد مواقع السقوط في مدن متجاورة ضمن الحيز الحضري الواحد. هذا النوع من القصف المساحي يجعل من الصعب على السكان الاحتماء بشكل فعال، كما يزيد من تعقيد مهام فرق الإطفاء والإنقاذ في التعامل مع بؤر حرائق متعددة.
هناك نوع ثالث من هذه الصواريخ يحمل ما يصل إلى 80 ذخيرة صغيرة، وهو ما يحول الضربة الواحدة إلى ما يشبه القصف المساحي الكثيف. هذه التقنية تهدف بالأساس إلى إغراق منظومات الدفاع الجوي وتجاوز قدرتها على التعامل مع عدد كبير من الأهداف الصغيرة والمتزامنة التي تسقط من السماء.
تواجه منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، بمختلف طبقاتها مثل القبة الحديدية ومقلاع داود ومنظومات 'حيتس'، تحدياً تقنياً كبيراً أمام هذه الصواريخ المتشظية. فرغم نجاحها في اعتراض الصاروخ الحامل، إلا أن الذخائر المنفصلة عنه تستمر في السقوط بفعل الجاذبية، مما يقلل من فعالية مفهوم 'الاعتراض الكامل'.
أظهرت الصور الملتقطة من مدينة بني براك حجم الدمار الذي خلفته الذخائر المتفجرة، حيث تبين أن الحرائق نتجت عن انفجار القنابل الصغيرة نفسها وليس مجرد شظايا معدنية. هذا الأمر يؤكد أن الرؤوس الحربية العنقودية مصممة لتنفجر عند الارتطام بالأرض، مما يحول كل شظية إلى قنبلة مستقلة بذاتها.
تكتسب مدينة بني براك أهمية ديموغرافية خاصة، حيث يقطنها أكثر من 270 ألف نسمة في مساحة ضيقة، مما يجعلها من أكثر المناطق اكتظاظاً في العالم. أي سقوط للذخائر العنقودية في مثل هذه البيئة يؤدي حتماً إلى خسائر مضاعفة، وهو ما يفسر حالة الذعر الكبيرة التي سادت في صفوف المستوطنين هناك.
في سياق متصل، كشفت وزارة الصحة الإسرائيلية عن بيانات تشير إلى نقل أكثر من 6131 مصاباً إلى المستشفيات منذ اندلاع المواجهات الحالية. ولا يزال العشرات من هؤلاء المصابين يتلقون العلاج، في ظل ضغط متزايد على المنظومة الصحية نتيجة استمرار الرشقات الصاروخية وتطور نوعية الأسلحة المستخدمة فيها.
المصدر:
القدس