آخر الأخبار

الاحتلال يهدم 4 منازل في سلوان ضمن مخطط تهجير

شارك

تحت غطاء مزعومة "الحديقة التوراتية": الاحتلال يهدم 4 منازل في حي البستان ضمن مخطط لتهجير أكثر من 2200 فلسطيني لبناء "مدينة داود" و"حديقة الملك"

- 257 عائلة في أحياء البستان وبطن الهوى ووادي حلوة مهددة بالتهجير

- 5 مشاريع استيطانية كبرى تستهدف سلوان‪: الجسر المُعلَّق ونفق الحجاج ومشروع "كيدم" والتلفريك والقطار


القدس- "القدس" دوت كوم- محمد أبو خضير- نفَّذَت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح أمس، عمليات هدم واسعة في حي البستان بسلوان، جنوب المسجد الأقصى المبارك، طالت منازل وجدران استنادية وشوارع رئيسة وفرعية، وذلك في إطار مخططات ومشاريع استيطانية كبرى تهدف إلى تغيير الهوية التاريخية والدينية في القدس.

واقتحمت قوات الاحتلال في ساعة مبكرة من يوم أمس حي البستان، معززة بالآليات الثقيلة وبطواقم البلدية والقوات الخاصة والمستعربين وحرس المستوطنات. وفرضت حصاراً كاملاً على جميع الطرق المؤدية إلى الحي، ومنعت الأهالي والطواقم الإعلامية من الوصول للمنطقة، حيث أسفرت هذه المداهمة عن تدمير أربعة منازل بشكل كامل، وهي كالآتي: منزلا الأخوين نعيم وإبراهيم شحادة، منزل المواطن صالح أبو شافع، منزل المسن أحمد العباسي (85 عامًا).

وامتدت عمليات الهدم لتشمل تدمير جدران استنادية، وتجريف شوارع رئيسة وفرعية، وإتلاف البنية التحتية في المنطقة، كما سلَّمت سلطات الاحتلال ثلاث عائلات أخرى في الحي إخطارات بإخلاء منازلها في موقعد أقصاه السبت المقبل تمهيدًا لهدمها.


تبقى 58 منزلًا من أصل 120


تظهر الأرقام التي رصدتها لجان الدفاع عن أراضي سلوان حجم الخسائر التي يتعرض لها الحي على مدى السنوات الماضية. وأوضح عضو لجنة الدفاع عن أراضي بلدة سلوان وأحد سكان الحي، فخري أبو ذياب، أن عدد المنازل في حي البستان بلغ قبل نحو عقد ونصف حوالي 120 منزلاً، بينما انخفض العدد إلى 66 منزلاً فقط حتى نهاية شباط الماضي، ليصبح اليوم 58 منزلًا بعد عمليات الهدم الأخيرة.

وكشف أبو ذياب عن تصاعد حاد في وتيرة أعمال الهدم التي تنفذها سلطات الاحتلال في الحي، حيث بلغ عدد المنازل التي هدمها الاحتلال منذ اندلاع الحرب على غزة في السابع من تشرين الأول 2023 نحو 37 منزلاً.

وتأتي هذه الأرقام لتؤكد أن حي البستان يتقلص عامًا بعد عام، في عملية ممنهجة تهدف إلى إفراغه من سكانه الأصليين تمهيدًا لإلغاء وجوده وإلحاقه بمشاريع استيطانية.


"بستان الملك" ذريعة لتدمير منازل المقدسيين


وتتذرع سلطات الاحتلال في حملتها الممنهجة ضد حي البستان برواية تاريخية مزعومة، تدّعي بموجبها أن المنطقة كانت في العصور القديمة "بستاناً للملك داود". ووفقًا لهذه الرواية، تسعى بلدية الاحتلال والجمعيات الاستيطانية إلى هدم منازل الحي، بهدف توسيع ما يسمى "الحديقة القومية" (الحديقة الوطنية) التي تمتد من حي وادي حلوة المجاور، والتي تديرها منذ تسعينيات القرن الماضي جمعية "إلعاد" الاستيطانية المتطرفة، بدعم ومساندة من حكومة وبلدية الاحتلال.

ويشير تقرير صادر عن مؤسسة القدس الدولية أن هذا المشروع ليس سوى امتداد لخطة أوسع تهدف إلى تحويل حي البستان إلى ما يُسمى "حديقة الملك". وتكشف الوثائق أن الاحتلال لا يملك أي ادعاءات بملكية سابقة أو شبهة استيطان في الحي، وأن الذريعة الوحيدة للتهجير تقوم على "رواية توراتية" بحتة.


"الأرض الخالية".. ذريعة مُضلِّلَة


في سياق متصل بالحملة العسكرية، كثَّفَت بلدية الاحتلال إجراءاتها الإدارية والقانونية الرامية إلى مصادرة أراضٍ واسعة في الحي. ففي بداية شهر كانون الثاني الماضي، سلَّمَت بلدية الاحتلال إخطارات لعدد من أصحاب الأراضي في حي البستان لمصادرة نحو 7 دونمات، بحجة "تنسيق حدائق وإقامة مواقف سيارات" على أراضٍ وصفتها بـ"الخالية".

لكن محافظ القدس أوضح في بيان أن هذه الأراضي ليست خالية على الإطلاق، بل هي أراضٍ كانت قائمة عليها منازل فلسطينية سكنها أصحابها قبل أن تقوم قوات الاحتلال بهدمها وتهجيرهم منها في وقت سابق. ويصف قانونيون هذه الممارسة بأنها "سياسة الأراضي الخالية"، وهي أداة قانونية خادعة تستخدمها سلطات الاحتلال لتكريس واقع استيطاني جديد على أنقاض المنازل المهدمة.


سرقة بحجة السياحة والتخطيط الحضري


إلى جانب عمليات الهدم الميدانية، ترصد تقارير متخصصة تحولاً أكثر خطورة على المستوى التخطيطي، يتمثل في تغيير الخرائط الرسمية لبلدية الاحتلال في القدس. فقد رصد فريق مركز التخطيط البديل (AHC) تغييرات مقلقة في الخرائط المنشورة على موقع بلدية الاحتلال، تُظهر تقليصاً متعمداً للحدود البلدية لبلدة سلوان، وإعادة ضم أجزاء حيوية منها، ولا سيما حي وادي حلوة، إلى ما يسمى "مدينة داود" الاستيطانية.

وحذَّرَت محافظة القدس في تقرير لها من أن هذا التصنيف الجديد يندرج في إطار تحويل أجزاء من البلدة إلى منطقة سياحية وأثرية تخضع لمشاريع استيطانية، ما يحد من الفضاء الحضري الفلسطيني المعترف به رسميًا في سلوان.

وأكدت المحافظة أن هذه التقسيمات هي إجراءات أحادية الجانب وغير شرعية، تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع المكاني والديمغرافي في القدس الشرقية لخدمة المشاريع الاستيطانية.


سلوان شطران.. عربي ويهودي


في هذا السياق، أوضح الخبير في شؤون الخرائط والاستيطان خليل التفكجي أن التغيير الجديد في الخرائط يقسم بلدة سلوان فعليًا إلى شطرين: شطر عربي وآخر يهودي- استيطاني. وأشار التفكجي إلى أن بلدية الاحتلال تعتبر الآن الأجزاء الملحقة من حي وادي حلوة جزءاً من الحي اليهودي الذي تتوسع حدوده باستمرار ليتم ضمة والحاقة بالقدس الغربية تحت اشراف البلدية والجمعيات الاستيطانية خاصة "العاد" وهناك جمعية "عطرات كوهنيم" وجمعيات صغير جرى اختلاقها لتوزيع الأدوار.

ويهدف هذا التقسيم، وفقًا للتفكجي، إلى تحويل أحياء البستان ووادي الربابة ووادي حلوة إلى مناطق ذات طابع يهودي كامل، حيث تتمتع المناطق الملحقة بمزايا وخدمات متنوعة تهدف إلى تعزيز الوجود الاستيطاني على حساب السكان الأصليين الذين يواجهون خطر التهجير.

وتقدِّر مصادر وخبراء في دائرة شؤون المفاوضات الفلسطينية- مساحة الحي اليهودي المخطط له منذ عام 2005 في قلب سلوان بحوالي كيلومترين مربعين، وجميعها تقع ضمن ما يسمى "الحوض المقدس" تحيط اسوار البلدة القديمة المحتلة من الشرق والجنوب بشكل كامل وتتبع لجنة خاصة في ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي.


فوق الأرض وتحتها.. مشاريع استيطانية كبرى


لا تأتي عمليات الهدم في حي البستان بمعزل عن شبكة واسعة من المشاريع الاستيطانية التي تهدف إلى تطويق البلدة وربطها بالمستوطنات المحيطة. وتشير تقارير مركز التخطيط البديل إلى أن هذه التحركات مرتبطة بمشاريع تهويد كبرى سبق تنفيذها، مثل الجسر المعلق المخطط له، ومشروع "كيدم" الاستيطاني، بالإضافة إلى نفق "طريق الحجاج" الذي يمر تحت منازل المواطنين.

ويبرز من بين هذه المشاريع ما يُعرف بـ"حديقة الملك" كأخطر المشاريع التي تهدد منازل حي البستان، حيث يسعى الاحتلال من خلاله إلى إقامة منشآت تلمودية في المنطقة.

ويرى التفكجي أن إعادة رسم الحدود هذه تنبع هذه المرة من دوافع دينية تخدم أهدافاً توسعية سياسية، مستغلة الادعاءات بأن أجزاء من سلوان تمثل "مدينة الملك داود" التاريخية كغطاء قانوني لمصادرة الأراضي وتغيير الواقع الديمغرافي.


في سبيل الاستيطان.. حكومة إسرائيل تدعم مجرمين وإرهابيين


تدير جمعية "إلعاد" الاستيطانية منذ تسعينيات القرن الماضي الموقع الأثري والسياحي المعروف باسم "مدينة داود" في وادي حلوة، وتحظى هذه الجمعية بدعم حكومي واسع. وتشير التحقيقات إلى أن الجمعية تحولت إلى شريك رئيسي للسلطات الرسمية- الحكومة اليمينية المتطرفة– وتحظى بدعم وزارتي الاستيطان والإسكان– ووزارة المالية– وفروع الوكالة اليهودية– وايبك في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث ينفق الاحتلال كدولة وجيش أموالاً من الداخل ومن تبرعات يهود العالم على المشاريع، بينما تذهب الأرباح إلى الجمعية، التي توظف نحو 650 مستوطناً من التيار اليمين المتطرف وبعضهم مصنف كـ"إرهابيين " ومرتكبي جرائم– دينية واخلاقية واختلاس- وخاصة اتباع جمعية "شفو بنيم".

وتعمل "إلعاد" على تحويل المنطقة إلى ما يشبه "ديزني لاند أثري"، وفقاً لوصف الخبيرة الإسرائيلية تاليا عزراهي من جمعية "عمق شافيه" التي تضم علماء آثار نقديين (يرفضون تزوير التاريخ والجغرافيا واستغلالها لأهداف دينية واستيطانية). وتشمل المشاريع السياحية في المنطقة أفعوانية بطول 700 متر، ومنصة عرض ثلاثية الأبعاد، وفندقاً فخماً، إلى جانب جسر معلق طويل.

وفي الجزء الشمالي من سلوان، تنشط جمعية "عطيرت كوهانيم"الاستيطانية، التي تعمل على الاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية في حي بطن الهوى.

وتشير تقارير مؤسسة بتسليم إلى أن الجمعيات الاستيطانية تعمل بالتعاون المباشر مع سلطات الاحتلال، وتستفيد من قوانين تمييزية مثل "قانون أملاك الغائبين" لعام 1950 و"قانون الأملاك" لعام 1970، التي تسمح فعليًا لليهود فقط بالاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية وبالمطالبة بعقارات سكنها يهود أو استأجرها يهود قبل النكبة عام 1948 بحجة حماية المستأجر- أملاك غائبين في دول معادية- أي الدول العربية.


1500 مواطن مهددون بالتهجير الفوري


تعكس الأرقام الصادرة عن مؤسسات حقوقية حجم الكارثة الإنسانية المحدقة بسكان حي البستان؛ وفقاً لتقرير صادر عن مؤسسة بتسليم في شباط 2026، فإن حوالي 1500 مواطن من سكان حي البستان (نحو 150 عائلة) يواجهون خطر التهجير الفوري. وبلغ عدد المنازل التي هدمتها بلدية الاحتلال في الحي حتى شباط الماضي 35 منزلاً، إضافة إلى 17 أمر هدم آخر صادرة.

وفي حي بطن الهوى المجاور، يواجه نحو 700 فلسطيني (90 عائلة) خطر الإخلاء القسري، بعد أن رفضت المحاكم الإسرائيلية التماساتهم وأمرت 157 من سكان الحي بإخلاء منازلهم لصالح المستوطنين.

وتشير مؤسسة القدس الدولية إلى أن النجاح في تهجير حي البستان سيمهد الطريق لاستهداف أحياء أخرى في سلوان، بما فيها وادي حلوة ووادي الربابة وبطن الهوى وعين اللوزة ووادي ياسول، وصولاً إلى حي الشيخ جراح في شمال القدس.


"هذا بيت أمي ولن أرحل"


ورغم توحش جرافات الاحتلال وقرارات الهدم، يظل أهالي حي البستان متمسكين بأرضهم وبيوتهم. ويجسد فخري أبو ذياب، الذي هدم منزله بالكامل بعد أن كان قد هدم جزئياً في شباط 2024، نموذجاً لهذا الصمود؛ إذ يعيش اليوم مع زوجته في بيت متنقل "كرفان صغير" أقيم على أنقاض منزله المدمر، ويرفض المغادرة قائلاً: "هذا بيت أمي، ولدت هنا ولن أرحل".

ويكشف أبو ذياب عن تفاصيل صادمة تتعلق بآلية تنفيذ سياسات الهدم، حيث يُجبر السكان على دفع تكاليف هدم منازلهم بأنفسهم. ويقول: "أنا لا أدفع ثمن الجرافات فقط، بل أدفع حتى ثمن السندوتشات التي تناولها رجال الشرطة الذين كانوا يشرفون على هدم منزلي". ويحذر فخري أبو ذياب من أن "استهداف سلوان هو استهداف مباشر لهوية المسجد الأقصى"، مشددًا على أن الاحتلال يسعى من خلال تغيير التركيبة السكانية في البلدة إلى تمهيد الطريق للاعتداء على المسجد الأقصى نفسه.


هدم حتى في رمضان.. رسالة سياسية


يحمل توقيت عمليات الهدم المتصاعدة في حي البستان رسائل سياسية واضحة. فقد حذر الخبير في شؤون القدس والأقصى زياد بحيص من أن الاحتلال نفذ "مذبحة هدم" في الحي خلال الأسبوع الأول من شهر رمضان المبارك، بعد أن كانت السنوات السابقة تشهد "هدنة هدم" خلال الشهر الفضيل فلا تنفذ بلدية الاحتلال عمليات هدم ولا مخالفات، بيد أن هذه العادة غيرها الاحتلال ولم يعد يقيم وزنًا للمناسبات الدينية ولا يحترم صيام الصائمين.


إدانات ومناشدات.. لكن


أعربت محافظة القدس في بيانات متكررة عن رفضها القاطع للإجراءات الإسرائيلية، مؤكدة أن جميع هذه الإجراءات "باطلة وغير قانونية" بموجب القانون الدولي، ولا تكسب الاحتلال أي حق مهما بلغ حجمها. كما حذرت من أن هذه السياسات ترتقي إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

بدورها، دعت مؤسسة القدس الدولية إلى إطلاق حملة شعبية وقانونية وإعلامية عربية وإسلامية وعالمية تحت عنوان "أنقذوا سلوان.. أنقذوا حي البستان"، مؤكدة أن الحي يمثل "الخط الدفاعي الأول" عن المسجد الأقصى المبارك من الجهة الجنوبية والجنوبية الشرقية.

وناشدت منظمة بتسليم الإسرائيلية الحقوقية المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ"سياسة الإخلاء القسري" التي تنتهجها سلطات الاحتلال بحق سكان سلوان، محذرة من أن أكثر من 2200 فلسطيني معرضون لخطر التهجير الفوري في أحياء البستان وبطن الهوى ووادي حلوة .


معركة وجود وهوية

ما يجري في حي البستان ليس مجرد حملة هدم عابرة، بل هو حلقة في صراع طويل حول هوية القدس المحتلة ووجودها الفلسطيني، فبينما تستخدم سلطات الاحتلال والجمعيات الاستيطانية الروايات التوراتية كغطاء لتهجير السكان، يؤكد الفلسطينيون على عمق الجذور العربية والإسلامية للمنطقة، مستدلين بآثار كنعانية وإسلامية وأموية تشهد على تاريخها العربي الأصيل.

في ظل هذا التصعيد الخطير، يبقى أهالي حي البستان متمسكين بأرضهم، رافضين سياسات الهدم والتهجير، مطالبين المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لتوفير الحماية لهم، ووقف ما يعتبرونه محاولة ممنهجة لطمس الوجود الفلسطيني في القدس المحتلة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا