أكد محمد حيتوم، القيادي في الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني أن رحيل المناضلة والدبلوماسية ليلى شهيد يمثل خسارة فادحة للقضية الفلسطينية في الفضاءين الثقافي والسياسي الأوروبي. وأوضح في تصريحات صحافية بمناسبة أربعينية الراحلة أن شهيد نجحت في نسج مسار فريد امتد من بيروت إلى الرباط وصولاً إلى باريس وبروكسيل.
واستعرض حيتوم الجوانب الإنسانية والنشأة التعددية لشهيد، مشيراً إلى أنها ترعرعت في وسط ثقافي وديني متنوع يجمع بين الطب والسياسة والتاريخ. ورغم أنها لم تنشأ في المخيمات، إلا أنها ظلت على تماس دائم معها، معتبرة إياها تجسيداً لأصلها الفلسطيني المقدسي، وهو ما دفعها للانخراط المبكر في العمل الاجتماعي والميداني.
انتقلت شهيد إلى باريس في منتصف السبعينيات لمتابعة دراساتها العليا في الأنثروبولوجيا، وهناك بدأت ملامح قيادتها السياسية تتبلور بانتخابها رئيسة للاتحاد العام لطلبة فلسطين في فرنسا. وقد شكلت هذه المرحلة نقطة انطلاق لربط الالتزام الوطني بالتحصيل العلمي الرصين، مما جعلها صوتاً مسموعاً في الأوساط الطلابية والأكاديمية الفرنسية.
لم ينفصل النشاط السياسي لشهيد عن خلفيتها الثقافية العميقة، حيث نسجت علاقات وطيدة مع كبار المثقفين العرب والعالميين مثل إدوارد سعيد ومحمود درويش وإلياس خوري. واعتبر حيتوم أن الروح الثقافية كانت هي الغذاء الحقيقي لالتزامها السياسي، مما منح خطابها الدبلوماسي لاحقاً صبغة عقلانية وإنسانية فريدة.
شكل المغرب محطة جوهرية في حياة الراحلة، حيث بدأت علاقتها بالمملكة بزيارة أولى عام 1976 بدعوة من المفكر إدمون عمران المالح. وتوجت هذه العلاقة بزواجها من الأديب المغربي محمد برادة، لتستقر في الرباط لمدة 12 عاماً، انصهرت خلالها في النسيج الثقافي والاجتماعي المغربي.
خلال سنوات إقامتها في المغرب، تحول بيت شهيد وبرادة إلى ملتقى للمثقفين من المشرق والمغرب وفرنسا، مشكلاً جسراً للتواصل لخدمة القضايا القومية والإبداعية. وبادلها الشعب المغربي حباً بحب، حيث ترسخت صورتها في الذاكرة الجمعية كجزء لا يتجزأ من النضال المشترك من أجل العدالة والحرية.
توقف حيتوم عند دور شهيد البطولي إبان حصار بيروت عام 1982، حيث أصرت على دخول مخيمات اللجوء رغم المخاطر الجسيمة. ورافقت في تلك الرحلة الكاتب الفرنسي الشهير جان جيني، الذي وثق فظائع مجزرة صبرا وشاتيلا في نصه الخالد 'أربع ساعات في شاتيلا' بفضل تنسيقها ودعمها الميداني.
مع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، لبت شهيد نداء الواجب الوطني بالانتقال إلى العمل الدبلوماسي الرسمي بتكليف من القائد ياسر عرفات. وبدأت مسيرتها كأول امرأة تمثل فلسطين دبلوماسياً في أيرلندا، ثم انتقلت لاحقاً لتمثيل المنظمة في هولندا والدنمارك، محطمة القوالب النمطية للدبلوماسية التقليدية.
في عام 1993، تولت شهيد رئاسة البعثة الفلسطينية في فرنسا، وهي المهمة التي وصفها حيتوم بأنها 'طريق لم يكن مفروشاً بالورود'. فقد واجهت في باريس معقلاً قوياً للصهيونية، وعملت بجد على تغيير السردية السائدة التي كانت تحصر الفلسطيني في صورة الضحية أو المقاتل فقط.
نجحت ليلى شهيد في إعادة تشكيل صورة الفلسطيني كفاعل عقلاني ملتزم بالقانون الدولي والشرعية وحقوق المدنيين، مخاطبة الغرب بلغة يفهمها ويحترمها. وأثمرت جهودها في تحويل النقاش العام في فرنسا من التركيز المطلق على 'أمن إسرائيل' إلى ضرورة احترام الحقوق الوطنية الفلسطينية.
من أبرز بصماتها الدبلوماسية، تنسيق زيارة الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك إلى الأراضي المحتلة عام 1996، وهي الزيارة التي شهدت مواقف تاريخية لشيراك ضد مضايقات الاحتلال. وقد تم ذلك بتنسيق دقيق مع الرئيس ياسر عرفات، وتجاوزاً لكل العراقيل التي وضعها اللوبي الصهيوني آنذاك.
واصلت شهيد إشعاعها الدبلوماسي بتولي منصب رئيسة البعثة الفلسطينية لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسيل بين عامي 2006 و2015. وفي هذه المرحلة، عملت على تعزيز الحضور الفلسطيني في المؤسسات الأوروبية، مستندة إلى شبكة علاقاتها الواسعة وخبرتها العميقة في الشؤون الدولية.
حتى بعد تقاعدها الطوعي من العمل الرسمي، لم تتوقف شهيد عن العطاء، حيث تولت رئاسة جمعية أصدقاء معهد العالم العربي في باريس. وركزت في هذه الفترة على دعم الإنتاج الثقافي العربي، مؤمنة بأن الثقافة هي القوة الناعمة الأكثر تأثيراً في نصرة القضايا العادلة.
ختم حيتوم شهادته بالتأكيد على أن ليلى شهيد تركت إرثاً نضالياً ودبلوماسياً سيبقى ملهماً للأجيال القادمة، خاصة في كيفية إدارة الصراع الثقافي والإعلامي. وشدد على أن ذكراها ستظل حية في قلوب الفلسطينيين والمغاربة وكل أحرار العالم الذين آمنوا بعدالة القضية التي أفنت حياتها من أجلها.
المصدر:
القدس