تواجه الساحة السياسية في الولايات المتحدة حملة متصاعدة، انخرط فيها طيف من اليمين واليسار الليبرالي، تهدف إلى إلقاء اللوم الكامل على بنيامين نتنياهو في تأزيم المنطقة وجر واشنطن نحو مواجهة مع إيران. وتستند هذه الرواية إلى محاولة تبرئة إسرائيل ككيان من جرائمها الإمبريالية، وتصوير السياسات الحالية كـ 'انحراف طارئ' عن مسار ديمقراطي ومسالم مزعوم كان يسود قبل صعود اليمين المتطرف.
يقود هذه البروباغندا شخصيات صهيونية ليبرالية مثل الصحفي توماس فريدمان والسيناتور بيرني ساندرز، اللذين يصران على تحميل ائتلاف نتنياهو مسؤولية 'إفساد' السجل الإسرائيلي. هذا الخطاب يتجاهل عمداً أن الطموحات التوسعية والمذابح اليومية في الضفة وغزة ليست وليدة اللحظة، بل هي جوهر المشروع الاستيطاني منذ بداياته الأولى في القرن الماضي.
بالعودة إلى التاريخ، نجد أن لغة الشيطنة والعنصرية تجاه الفلسطينيين لم تبدأ مع نتنياهو؛ فقد وصف مناحيم بيغن الفلسطينيين بـ 'الوحوش التي تسير على قدمين'. كما سبقه قادة من حزب العمل 'العلماني' مثل موشيه ديان الذي نعتهم بـ 'الكلاب'، وديفيد هكوهين الذي أنكر عنهم الصفة البشرية، مما يؤكد وحدة العقيدة خلف اختلاف الوجوه السياسية.
إن العقيدة العسكرية التي يمارسها جيش الاحتلال اليوم في غزة تجد جذورها في تعليمات ديفيد بن غوريون عام 1948، الذي دعا صراحة إلى الضرب 'بلا رحمة'. وقد شدد بن غوريون حينها على ضرورة استهداف النساء والأطفال لضمان فاعلية الردع، مؤكداً أنه لا داعي للتمييز بين المذنب والبريء في ساحة العمليات، وهو ما يطبقه نتنياهو حرفياً اليوم.
تشير الوقائع التاريخية إلى أن حكومات حزب العمل، التي يُروج لها كشريك للسلام، هي من أرست دعائم الاستيطان الكبرى في الأراضي المحتلة. فقبل وصول الليكود للحكم عام 1977، كانت هناك عشرات المستوطنات قد أقيمت بالفعل في الضفة وغزة وسيناء والجولان، مما يثبت أن التوسع الجغرافي هو استراتيجية دولة عليا وليس أجندة حزبية ضيقة.
في القدس المحتلة، لم يكن تدمير الأحياء الفلسطينية ابتكاراً يمينياً، بل بدأه حاييم هرتسوغ، أول حاكم عسكري للمدينة، حين أمر بتسوية حي المغاربة بالأرض عام 1967. تم تشريد آلاف السكان في دقائق معدودة لتحويل الوقف الإسلامي الذي يعود لعهد صلاح الدين إلى ساحة صلاة للمستوطنين، في جريمة حرب موثقة جرت تحت قيادة 'اليسار الصهيوني'.
أما فكرة 'الترانسفير' أو التهجير القسري التي يلوح بها وزراء نتنياهو اليوم، فقد كانت حاضرة بقوة في نقاشات ليفي أشكول بعد حرب 1967. أشكول استلهم نماذج طرد السكان من تجارب دولية سابقة، وبحث جدياً في سبل إفراغ قطاع غزة من لاجئيه وتوزيعهم في دول أخرى، مما يثبت أن التطهير العرقي فكرة أصيلة في الفكر الصهيوني 'المؤسس'.
لقد صاغ إيغال ألون، القيادي في حزب العمل، خطته الشهيرة لضم ثلث الضفة الغربية منذ عقود، وهي الخطة التي ينفذها نتنياهو اليوم بأسماء ومسميات جديدة. هذا التوافق المنهجي يمتد ليشمل سرقة الموارد المائية والأراضي في المناطق منزوعة السلاح مع سوريا، والتي تمت السيطرة عليها تدريجياً بين عامي 1949 و1967 تحت غطاء حكومات 'العمال'.
المفارقة تكمن في أن قادة مثل أبا إيبان لم يعترضوا على المذابح بحد ذاتها، بل على 'الترويج' لها الذي قد يضر بصورة إسرائيل الدولية. كان القلق ينصب دائماً على كيفية الحفاظ على قناع 'الدولة الديمقراطية' أمام الغرب، بينما تستمر آلة القتل في الداخل في أداء مهامها بعيداً عن الأضواء، وهو القناع الذي سقط تماماً في عهد نتنياهو.
إن توحش المستوطنين في الضفة الغربية اليوم هو النضوج الطبيعي لبذرة غُرست في السبعينيات تحت سمع وبصر الحكومات العمالية. جماعات 'الإرهاب ضد الإرهاب' التي استهدفت المدنيين والحافلات الفلسطينية في تلك الفترة، هي السلف الشرعي لميليشيات المستوطنين الحالية التي تحرق القرى والمدن تحت حماية جيش الاحتلال.
حتى الخطاب التوراتي الذي يستخدمه نتنياهو لتبرير احتلال سيناء أو غزة، استخدمه بن غوريون قبله عام 1956 حين تحدث عن 'مملكة إسرائيل الثالثة'. استلهم بن غوريون نصوص الأنبياء لتبرير الغزو والسيطرة على جزيرة تيران وسيناء، مما يوضح أن توظيف الدين في خدمة الاستعمار هو أداة قديمة استخدمها 'العلمانيون' الأوائل بكفاءة.
إن محاولة تصوير نتنياهو كزعيم 'مارق' يشذ عن قيم الكيان هي استراتيجية دعائية تهدف لإعادة تسويق إسرائيل ككيان قابل للإصلاح. الحقيقة التي يثبتها سجل الوقائع هي أن نتنياهو ليس سوى حلقة أكثر وضوحاً وفجاجة في سلسلة متصلة من القادة الذين أقاموا كيانهم على أنقاض الوجود الفلسطيني منذ النكبة.
يجب على الوعي الفلسطيني والعربي أن يتصدى لمحاولات الليبراليين الغربيين اختزال الصراع في شخص نتنياهو، لأن ذلك يمهد الطريق لشرعنة الكيان بمجرد رحيله. الدفاع عن 'حقيقة الجريمة' يقتضي التأكيد على أن نتنياهو مجرم حرب أصيل، لكنه لا يختلف في جوهره عن أسلافه الذين أرسوا قواعد الإبادة والتهجير.
في الختام، يظل نتنياهو التجسيد الأكثر صدقاً للصهيونية في مرحلتها الحالية، حيث لم يعد الكيان بحاجة لإخفاء وجهه القبيح خلف شعارات السلام الزائفة. إن فضح هذا التسلسل التاريخي هو السبيل الوحيد لمواجهة محاولات تزييف التاريخ وتبرئة المستعمرة الاستيطانية من إرثها الدموي الطويل المستمر منذ عام 1948 وحتى اليوم.
المصدر:
القدس