آخر الأخبار

قرار تقييد الخمور في دمشق: بين استعادة الأصالة واحتجاجات باب

شارك

تشهد العاصمة السورية دمشق مرحلة جديدة من استعادة الهوية والقيم الأصيلة التي ميزت المجتمع الشامي عبر العصور، حيث يأتي قرار محافظة دمشق الأخير بتنظيم وتقييد بيع الخمور كخطوة في مسار تصحيح الواقع الاجتماعي. هذا التوجه يعيد إلى الأذهان الفطرة السليمة لأهل الشام الذين عرفوا بمحافظتهم وحيائهم، ورفضهم للمجاهرة بالمنكرات في الفضاء العام.

إن هذا القرار لا يمثل مجرد إجراء إداري عابر، بل هو ترجمة لواقع ملموس يسعى لتطهير أزقة المدينة من المظاهر التي حاول النظام البائد فرضها طوال عقود. ويقتدي هذا النهج بسير تاريخية، مثل نهج الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الذي عمل على صيانة عقول وأخلاق أهل دمشق والقاهرة عبر إغلاق الحانات لتقوية الجبهة الداخلية.

لقد سعى النظام السابق طوال سنوات حكمه إلى إغلاق أبواب الوعي والكرامة أمام السوريين، محاولاً إجبار المجتمع على السقوط في وحل التبعية والتغييب. ولم يكن تشجيع انتشار الخمور نابعاً من إيمان بالحريات الشخصية، بل كان مخططاً ممنهجاً لضمان غياب الوعي الشعبي وتسهيل عمليات القمع.

وتشير مصادر ميدانية إلى أن أكشاك الخمر كانت تنتشر في عهد الأسد برعاية أمنية مكثفة، خاصة في المناطق العسكرية والمساكن التابعة للضباط مثل 'مساكن الديماس' و'عش الورور'. وكانت هذه الأكشاك تفوق في عددها أحياناً منافذ بيع الخبز، مما يعكس أولويات المنظومة الأمنية في ذلك الوقت.

ويروي مجندون سابقون كيف كانت زجاجات 'العرق' و'الوسكي' تشكل العملة الأساسية للرشاوي المقدمة لضباط النظام وقادته العسكريين. فكلما ارتفعت الرتبة العسكرية، زادت جودة ونوعية الخمور المطلوبة، في محاولة لتحويل 'الضابط' إلى سكير و'الشبيح' إلى عربيد يسهل توجيهه لضرب المتظاهرين دون وازع.

هذا النهج التدميري لم يتوقف عند الخمور فحسب، بل انتهى بتحويل البلاد إلى معمل ضخم لإنتاج 'الكبتاغون' الذي دمر آلاف البيوت والشباب السوريين. إن إرث المخدرات والخمور كان السلاح الفتاك الذي استخدمه النظام لتخدير المجتمع وضمان بقائه في السلطة بعيداً عن أي محاسبة أو وعي سياسي.

وفي الوقت الحالي، تبرز أصوات معترضة في مناطق مثل 'باب توما' تدعي أن تقييد بيع الكحول يمثل مساساً بالحريات الشخصية. إلا أن التدقيق في هذه الاحتجاجات يكشف أن بعض المتصدرين لها هم من بقايا 'شبيحة الأمس' الذين يحنون إلى زمن الفوضى وغياب القانون الذي كان يحمي تجاوزاتهم.

إن تنظيم بيع الخمور ليس تضييقاً، بقدر ما هو حماية لجوهر الحرية نفسها وصيانة لعقول وأخلاق المجتمع.

إن مفهوم الحرية الحقيقي لا يعني ترك الإنسان فريسة لما يفسد عقله ويضعف بنيان مجتمعه، بل هي الحرية الراشدة التي تضبط المجال العام بما يحفظ كرامة الإنسان. ومن هنا، فإن تنظيم هذه التجارة يعد حماية لجوهر الحرية وليس تضييقاً عليها، خاصة في ظل سعي المدينة للتعافي من آثار الحرب.

ومن المثير للاهتمام ملاحظة ازدواجية المعايير لدى بعض المعترضين، حيث يتم الإشادة بقرارات مماثلة في دول أوروبية بينما تُنتقد في دمشق. فعلى سبيل المثال، قام رئيس بلدية فيينا في عام 2026 بمنع الخمر في الأماكن العامة لرفع جودة الحياة، واعتبر ذلك رقيّاً حضارياً، بينما يوصف في دمشق بالتشدد.

إن استعادة دمشق لأصالتها تتطلب وقفة جادة ضد كل ما يفسد العقول، وهو موقف أخلاقي ووطني في المقام الأول يهدف لدفع الفساد وإقامة المعروف. فالمجتمع القوي هو الذي يحافظ على منعة أبنائه ويحميهم من أدوات التغييب التي زرعها النظام البائد في كل زاوية.

إن الوقوف في وجه انتشار الخمور والمخدرات هو قيام بشعبة عظيمة من شعائر الإصلاح المجتمعي، ويسهم بشكل مباشر في حفظ تماسك الأسر السورية. وكل من يسعى في هذا الطريق إنما يسهم في بناء مستقبل أكثر طهراً وقوة للأجيال القادمة بعيداً عن آفات الماضي.

ستعود الشام حتماً إلى قيمها التي عرفت بها، وسيذهب إرث 'الكبتاغون' والفساد الأخلاقي مع الريح التي عصفت بالنظام الذي صنعه ورعاه. فدمشق التي صمدت عبر التاريخ قادرة على استعادة ألقها وصيانة هويتها الإسلامية والعربية الأصيلة أمام كل محاولات التشويه.

إن المعركة اليوم ليست مجرد قرار إداري، بل هي معركة وعي بين من يريد لسوريا أن تنهض بعقول أبنائها، ومن يريد لها أن تبقى غارقة في مستنقعات التغييب. والانتصار في هذه المعركة يبدأ من تطهير الشوارع والمجال العام من كل ما يضعف عزيمة الإنسان السوري.

ختاماً، يبقى الرهان على وعي أهل دمشق وفطرتهم السليمة التي ترفض المنكر وتعتز بالستر والكرامة، لتظل دمشق عزيزة وقوية بأهلها وقيمها. إن المستقبل يبنى بالعمل والطهر، وليس بالانجرار خلف دعوات الفوضى التي لا تخدم إلا أعداء الاستقرار والنهضة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا