شهدت الأوساط السياسية والأمنية داخل دولة الاحتلال، مع تمام الشهر الأول للمواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، جدلاً واسعاً حول الجدوى الاستراتيجية للعمليات الجوية المشتركة مع الولايات المتحدة. وانتقل المزاج العام الإسرائيلي من نشوة الضربات الأولية إلى قلق عميق بشأن القدرة على حسم المعركة أو إنهاء التهديد الصاروخي القائم.
وفي قراءة نقدية حادة، وصف مستشار الأمن القومي الأسبق، الجنرال غيورا آيلاند، الوضع الراهن بـ 'سيناريو موسكو 1812'. وأوضح آيلاند أن إسرائيل وواشنطن وقعتا في خطأ كلاسيكي يتمثل في الفجوة الكبيرة بين الأهداف المعلنة والوسائل المتاحة، مفترضين أن القصف الجوي سيجبر طهران على التفاوض.
وأكد آيلاند أن القيادة الإيرانية تبنت استراتيجية 'النفس الطويل' على غرار القيصر الروسي أمام نابليون، رافضة الاستسلام للشروط الأمريكية. واعتبر أن 'الجحيم الجوي' الذي صبه التحالف لم يترجم إلى نتائج سياسية ملموسة، بل تحول إلى فعل تدميري بلا أفق واضح لإنهاء الصراع.
كما أشار التحليل إلى 'سذاجة' في تقدير قدرة إيران على خنق التجارة العالمية عبر الأسلحة غير المتناظرة. فرغم استهداف الأسطول التقليدي، أثبتت طهران فاعلية ألغامها البحرية ومسيراتها الانتحارية وصواريخ 'بر-بحر' في تهديد الممرات المائية الدولية.
ولم يتوقف التهديد الإيراني عند مضيق هرمز، بل امتد ليشمل باب المندب، مما وضع التحالف الدولي في وضعية 'الدفاع السلبي'. هذا التصعيد أدى إلى أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة، مما دفع الاستراتيجية الأمريكية للتراجع والارتباك أمام تداعيات الحرب الاقتصادية.
ميدانياً، كشفت تقارير معهد أبحاث الأمن القومي (INSS) أن الضربات الجوية لم تلمس 'العصب الاستراتيجي' للقدرات الإيرانية. وتؤكد المصادر أن الصواريخ الإيرانية مخزنة في قواعد محصنة بعمق مئات الأمتار تحت الجبال، مما يجعل تدميرها عبر الجو أمراً شبه مستحيل.
وانتقد آيلاند غياب أي حملة برية أو قدرة على تجنيد قوى حليفة على الأرض بسبب 'صدمة العراق' التي لا تزال تسيطر على القرار في واشنطن. ورأى أن الاكتفاء بمشاهد التدمير الجوي يهدف لإرضاء الجمهور الإسرائيلي فقط، دون إحداث تغيير حقيقي في موازين القوى العسكرية.
وفي سياق متصل، حذر المستشار الأسبق من الانجرار خلف حملات عسكرية فرعية مثل 'سهام الشمال' ضد حزب الله، معتبراً إياها 'مصيدة استنزاف'. فبينما يركز الجيش جهوده على العمق الإيراني، تظل مناطق الجليل تحت نيران مستمرة، مما يفند وعود 'النصر المطلق'.
على الجانب الآخر، يتبنى تساحي هنغبي رؤية مغايرة تدعو لمواصلة الضغط العسكري حتى تحطيم القدرات الإيرانية بالكامل. ويرى هنغبي أن استمرار نهج الحسم الأمريكي هو الكفيل بتغيير ميزان الرعب في المنطقة، رغم التحذيرات من طول أمد المواجهة.
وفي قراءة سوسيولوجية، أشار الباحث بيني سبطي إلى وجود تصدعات محتملة بين مؤسسة الرئاسة الإيرانية والحرس الثوري. ويعزو سبطي هذا التوتر إلى الضغوط الاقتصادية الناجمة عن احتجاز أموال النفط في الصين وروسيا، مما قد يؤدي لانهيار داخلي.
وبعيداً عن الجبهة الإيرانية، ارتكبت قوات الاحتلال خرقاً خطيراً لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة فجر الأحد. وأفادت مصادر طبية باستشهاد 6 فلسطينيين، بينهم 3 من أفراد الشرطة وفتاة، إثر غارة استهدفت منطقة المواصي غربي خانيونس.
ويعد هذا الاستهداف حلقة في سلسلة خروقات مستمرة للاتفاق الموقع في أكتوبر 2025، حيث بلغ عدد الشهداء منذ سريانه 691 شهيداً. وتستمر المعاناة الإنسانية في القطاع مع تجاوز إجمالي ضحايا العدوان منذ أكتوبر 2023 حاجز 72 ألف شهيد.
وفي ملف الأسرى، أُعلن السبت عن استشهاد الأسير مروان فتحي حرز الله (54 عاماً) داخل سجن مجدو نتيجة الإهمال الطبي. ويرفع هذا الحادث عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ بدء الحرب إلى 89 شهيداً، وسط ظروف اعتقال قاسية وغير إنسانية.
تزامن ذلك مع تصعيد قانوني في الكنيست الإسرائيلي، حيث أقرت لجنة الأمن القومي مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين. ويهدف هذا القانون، الذي ينتظر التصويت النهائي، إلى تشديد العقوبات ضد المقاومين، مما يهدد بتفجير الأوضاع داخل السجون وخارجها.
المصدر:
القدس