آخر الأخبار

مستقبل العلاقات الخليجية الإيرانية وتحديات الحماية الأمريكية

شارك

تتصاعد المخاوف الدولية من تحول العدوان الحالي إلى أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة، خاصة مع بقاء احتمالات الصراع الإقليمي مفتوحة على كافة السيناريوهات. ويرى مراقبون أن استهداف منشآت الطاقة الإيرانية قد يقابل بردود فعل تطال المصالح الحيوية في دول الخليج، مما يحقق أهدافاً استراتيجية لبعض الأطراف الساعية لتغيير خارطة الشرق الأوسط.

تتجه الأنظار نحو ضرورة حصر المواجهة مع القوى الخارجية وتجنب استهداف المنشآت التي تمس حياة الشعوب الخليجية بشكل مباشر أو غير مباشر. إن تفويت الفرصة على المخططات التي تهدف لتمزيق المنطقة يتطلب وعياً بضرورة الحفاظ على الروابط الاجتماعية للأمة بعيداً عن التجاذبات السياسية المتقلبة بين الأنظمة.

يبرز خطر حقيقي يتمثل في محاولة عزل إيران عن محيطها الجغرافي وتصويرها كعدو دائم للشعوب العربية، وهو مسار بدأ يجد صدى في بعض الأوساط. ويحذر محللون من الانجرار وراء ادعاءات استهداف أهداف مدنية، مشيرين إلى حوادث سابقة أُلقي فيها اللوم على أطراف إقليمية لتعميق الانقسام الشعبي.

إن الحفاظ على التوجهات الشعبية الإيجابية بين مكونات المنطقة يعد أولوية قصوى، حيث إن تغيير قناعات الشعوب يحتاج لسنوات طويلة من العمل الشاق. ومن هنا، تبرز أهمية عدم الانزلاق نحو العداء التاريخي بين الجيران، خاصة وأن المستفيد الوحيد هو القوى الاستعمارية التي تقتات على النزاعات العرقية والمذهبية.

تاريخياً، تحولت معظم مناطق الاستعمار السابقة إلى بؤر توتر مستمرة، كما هو الحال في شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا وأفريقيا. وفي منطقتنا، يمثل وجود الاحتلال المحرك الرئيسي للاضطرابات، حيث يسعى دائماً لإثارة النعرات الطائفية والمذهبية لتفكيك الجامع الثقافي الذي يربط شعوب المنطقة.

يمتلك الشرق الأوسط ثروات هائلة وممرات تجارية استراتيجية قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي وشبكات الاتصال الدولية بشكل حاسم. وهذا الثقل الجيوسياسي جعل المنطقة هدفاً لعمليات تفكيك مستمرة تحت مسميات قومية أو مذهبية، مما يسهل السيطرة على مقدراتها وقرارها السياسي المستقل.

في ظل العدوان المستمر، تبرز حاجة ملحة لمراجعة الكلفة الاقتصادية للحرب وتجنب استهداف المنشآت الاستراتيجية للدول المجاورة. ورغم أن بعض التقارير تشير إلى محدودية الخسائر البشرية في العمليات الإقليمية، إلا أن فقدان أي روح بشرية يترك أثراً عميقاً في الوجدان الشعبي ويتحول لسخط عام.

إن أساس انتصار المحور الخارجي يتعلق بتعميق عزلة إيران عن محيطها وتوصيفها كياناً معادياً للشعوب العربية.

على الصعيد الدبلوماسي، تعكس التصريحات الرسمية الخليجية حالة من التوتر المتزايد، حيث أكدت مصادر سعودية أن استعادة الثقة مع طهران مرتبطة بوقف الاعتداءات. ويرى المسؤولون في المملكة أن بناء شراكة استراتيجية يتطلب التخلي عن أفكار الهيمنة الإقليمية واستخدام القوة في حل النزاعات.

من جانبها، بدأت لغة البيانات الرسمية في بعض الدول الخليجية تأخذ منحى أكثر حدة عبر استخدام أوصاف سياسية تعكس تماهياً مع الرؤية الدولية لبعض القوى. ويلاحظ غياب هذه الأوصاف عند الحديث عن الجرائم المرتكبة في قطاع غزة، مما يشير إلى دلالات سياسية تتجاوز طبيعة الهجمات الميدانية.

شهدت الساحة الدبلوماسية خطوات تصعيدية شملت طرد سفراء وسحب بعثات، وهو ما قد يعمق الانقسام الداخلي في دول مثل لبنان. وتتزايد التوقعات بانضمام دول عربية أخرى لهذه الإجراءات، مما قد يحول الخلاف السياسي إلى عداء رسمي وشعبي كامل يصعب علاجه في المستقبل القريب.

يستحضر المحللون دروس التاريخ، وتحديداً فترة ما قبل غزو الكويت عام 1990، حين أعطت القوى الدولية إشارات مضللة أدت لتغيير وجه المنطقة. إن انتشار القواعد العسكرية الأجنبية كان نتيجة مباشرة لتلك الأخطاء، وهو ما يستدعي الحذر من تكرار السيناريوهات التي تضع القرار العربي بيد الخارج.

تواجه دول المنطقة اليوم خيارين؛ إما الركون لحماية خارجية أثبتت التجارب أنها تهدف لحماية مصالح الاحتلال وتوسعه، أو بناء منظومة أمنية مشتركة. فالاحتلال لا يخفي طموحاته التوسعية التي تستهدف أراضي عربية شاسعة، وهو ما يمثل التهديد الوجودي الحقيقي الذي يجب الالتفات إليه.

دعت شخصيات سياسية بارزة، من بينها مصادر قطرية رفيعة، إلى إعادة تقييم جدوى الحماية الأمريكية وما يترتب عليها من استنزاف للثروات السيادية. إن الاستثمار في القوة الذاتية وتعزيز القدرات العسكرية والسياسية الداخلية هو الضمانة الوحيدة لتحقيق استقلال القرار الوطني بعيداً عن الابتزاز الدولي.

تمثل المرحلة الراهنة فرصة تاريخية لإقامة تحالفات خليجية وعربية متينة تعتمد على التكامل الاقتصادي والأمني المشترك. إن توجيه الأموال التي تُنفق كثمن للحماية الخارجية نحو التنمية الداخلية وتعزيز الرفاهية الشعبية سيعزز من استقرار الحكم ويزيد من رضا الشعوب عن توجهات قادتها.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا