آخر الأخبار

قصص أمهات غزة الجريحات: إرادة صلبة وفرحة عيد منقوصة

شارك

خلف أقمشة الخيام المهترئة في مدينة غزة، تتكشف قصص أثقل من وعورة الطريق وأقسى من الخوف، حيث تحاول الأمهات الفلسطينيات المصابات لملمة جراح أجسادهن المبتورة لصناعة فرحة منقوصة لأطفالهن. في هذه البيوت التي يغلفها الفقد، يصل العيد متعباً ومحفوفاً بغيابات لا تُحصى، لكن الإرادة تظل حاضرة في عيون نساء رفضن الاستسلام للعجز الكلي.

شروق جمال الجرجاوي، شابة فلسطينية تختصر حكايتها طبقات الوجع المتراكمة، فقد بدأت رحلة معاناتها باستشهاد زوجها أمام عينيها في ديسمبر من العام الماضي، قبل أن يطاردها القصف مجدداً في أغسطس 2024. تلك الغارة الجوية نسفت المنزل الذي كانت تأوي إليه، لتخرج منه الناجية الوحيدة مع طفلها محسن، لكن بجسد فقد طرفيه السفليين بشكل كامل.

تتخذ شروق اليوم من خيمة في حي الشجاعية مأوى لها، حيث تعتمد على عربة كهربائية للتنقل وقضاء احتياجاتها اليومية التي باتت تشكل عبئاً مضاعفاً. ورغم ارتجاف يديها وثقل حركتها، تصر على ممارسة دورها كأم، محاولةً إلباس طفلها الصغير ملابس العيد الجديدة التي ابتاعتها له بشق الأنفس من الأسواق المنهكة.

تقول شروق والدموع تملأ عينيها إن طفلها محسن هو السلوى الوحيدة التي تصبرها على هذا الواقع المرير، فهي لا تريد له أن يشعر بمرارة الفقد دفعة واحدة. تحاول جاهدة أن توازن بين آلامها الجسدية وبين حق طفلها في اللعب، فتشاركه قراءة القصص وتبادل ركلات الكرة في ممرات المخيم الضيقة، حارسةً بذلك ما تبقى من طفولته.

وفي زاوية أخرى من الوجع، تبرز قصة غدير رجب، الأم لثلاثة أطفال، والتي غيّر قصف استهدف منزل جيرانها في بيت لاهيا مجرى حياتها عند الثالثة فجراً. غدير التي كانت تنبض بالنشاط والشغف، وجدت نفسها فجأة أمام قرار طبي قسري ببتر قدمها نتيجة نقص الإمكانيات العلاجية والنزوح المستمر الذي أعاق وصول الرعاية اللازمة.

تتضاعف أحزان غدير حين تتذكر الشاب عبد الرحمن حمدونة، الذي خاطر بحياته لنقلها إلى مجمع الشفاء الطبي وأصر على إنقاذها، لتعلم لاحقاً أنه استشهد في غارة أخرى. هذا الترابط بين قصص الموت والنجاة يجعل من كل تفصيل في حياتها جرحاً مفتوحاً، خاصة حين ترى نظرات أطفالها الذين يفتقدون حركتها الدائمة بينهم.

ابنة غدير، الطفلة زينة، تعبر ببراءة موجعة عن أمنيتها بأن تعود والدتها لمرافقتها إلى المدرسة كما كانت تفعل سابقاً، مدركة في الوقت ذاته أن مرض أمها يحول دون ذلك. هذه اللحظات تضع غدير أمام تحدٍ نفسي كبير، فهي تحاول ألا يمنعها العجز عن متابعة دراسة أبنائها والاهتمام بمستقبلهم الذي صار مهدداً بالركام.

لا أريد أن يفقد ابني كل شيء فجأة، أريد فقط أن يشعر بأن العيد قد جاء رغم كل هذا الخراب.

أما سماح، فقصتها تحمل نوعاً آخر من القهر، إذ تعيش بجسد مبتور اليد اليمنى وإصابة بالغة في القدم تهدد ببتر آخر، وذلك إثر هجوم استهدف محيط منزلها بمخيم الشاطئ. ولدت سماح طفلها الرضيع 'محمد' بعد إصابتها بأسابيع قليلة، لتجد نفسها عاجزة عن ممارسة أبسط طقوس الأمومة كإرضاعه أو احتضانه بشكل طبيعي.

يعاون إيهاب زوجته سماح في العناية بالرضيع وإخوته، بينما تحاول هي انتزاع لحظات من الأمومة بما تبقى لها من قدرة جسدية، فتثبت زجاجة الحليب لصغيرها بجهد جهيد. تبكي سماح كلما شعرت أنها لا تستطيع تلبية احتياجات أطفالها في العيد، لكنها تصر على أن يظل بيتها عامراً بمعنى العطاء ولو بحدوده الدنيا.

تعكس هذه الحالات الثلاث واقعاً أوسع لآلاف النساء في قطاع غزة، حيث تحولت الأجساد المنهكة إلى حصون أخيرة لحماية الأطفال من الانهيار النفسي. الأمهات هنا لا يواجهن فقط آلام البتر والجراح، بل يواجهن مسؤولية إعادة بناء الروح المعنوية لعائلات فقدت كل مقومات الحياة الأساسية من مسكن وأمان.

أفادت مصادر ميدانية بأن نقص المستلزمات الطبية والأطراف الصناعية يفاقم معاناة هؤلاء الأمهات، ويجعل من حركتهن داخل المخيمات المكتظة رحلة عذاب يومية. ومع ذلك، تظل الأسواق رغم شح بضائعها مقصداً لهن، حيث يحاولن اقتناء أي شيء يمكن أن يرسم ابتسامة على وجوه الصغار صبيحة يوم العيد.

تؤكد القصص المستقاة من الميدان أن دور الأم في غزة تجاوز الرعاية التقليدية ليصبح دوراً نضالياً بامتياز، حيث تقاوم الإعاقة الجسدية بالصبر والعزيمة. وبينما يرى العالم أرقاماً وإحصائيات، ترى هؤلاء النسوة في كل يوم جديد فرصة لإثبات أن الحياة يمكن أن تستمر حتى من فوق الركام ومن تحت سقف الخيام البالية.

إن المشهد في غزة مع اقتراب العيد يظهر تبايناً حاداً بين قسوة الواقع وإصرار الضحايا على الفرح، حيث ترفض الأمهات الجريحات أن يرث أطفالهن الخسارة كلياً. هنّ يحرسن الذاكرة ويحاولن ترميم ما تهدم من نفوس الصغار، مؤكدات أن الأمومة في زمن الحرب هي أقوى سلاح لمواجهة محاولات سحق الإرادة الإنسانية.

في نهاية المطاف، تظل شروق وغدير وسماح نماذج لآلاف القصص المماثلة التي لم تروَ بعد، حيث يمتزج الدم بالدموع لصناعة مشهد صمود أسطوري. في غزة، لا يأتي العيد بالهدايا والاحتفالات الكبرى، بل يأتي محمولاً على أكتاف أمهات قررن أن يبتسمن رغم الألم، ليعلمن أطفالهن أن الأمل لا يموت طالما بقيت العزيمة صلبة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا