آخر الأخبار

أسعار النفط والاقتصاد الليبي: تحديات الهدر والفساد

شارك

شهدت أسواق الطاقة العالمية قفزة نوعية بتجاوز سعر برميل خام برنت حاجز 110 دولارات أمريكية، وهي زيادة تقترب من ضعف القيمة المسجلة قبيل اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة. ورغم أن هذا الارتفاع يمثل طوق نجاة للدول المنتجة، إلا أن المشهد الليبي يظل محكوماً بتعقيدات داخلية تمنع انعكاس هذه الأرقام على واقع المواطن المعيشي.

يرى مراقبون أن حالة الاستبشار التي تسود الأوساط الليبية نتيجة تضاعف مدخول العملات الصعبة تفتقر إلى السند العلمي والمنطقي. فالتاريخ القريب يثبت أن تقلبات الأسعار مرتبطة بظروف جيوسياسية مؤقتة، ولا يوجد ضمان لثباتها عند هذه المستويات المرتفعة بمجرد توقف العمليات القتالية في منطقة الخليج.

إن العلة الحقيقية في ليبيا لا تكمن في شح الموارد، بل في الصراع المحتدم بين دوائر السلطة النافذة على تقاسم هذه الموارد. هذا التكالب أدى إلى تضخم في الهياكل الإدارية، مما يجعل أي زيادة في الإيرادات عرضة للتسرب في دهاليز الفساد والمحسوبية بدلاً من توجيهها نحو التنمية المستدامة.

تشير البيانات المالية إلى أن الجهاز الإداري للدولة الليبية تضخم بشكل غير مسبوق خلال العقد الأخير، مما رفع سقف الإنفاق العام إلى مستويات قياسية. وقد أدى هذا الاعتماد الكلي على الدولة في التوظيف إلى خلق دورة اقتصادية مشوهة تستهلك الفوائض المالية في سداد الالتزامات الجارية والدين العام.

تؤكد التقارير الاقتصادية أن ما يقرب من 90 في المئة من الإنفاق الحكومي في ليبيا هو إنفاق استهلاكي بامتياز، يفتقر إلى أي مردود إنتاجي طويل الأمد. وفي ظل غياب رؤية لتغيير هذا النمط، تظل الزيادات السعرية للنفط مجرد مسكنات مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية الهيكلية التي تعاني منها البلاد.

يزيد الاستقطاب السياسي الحاد بين الشرق والغرب من قتامة المشهد، حيث يمنع التنازع الشرس تبني استراتيجيات وطنية موحدة لتوظيف عوائد النفط. وقد أثبتت التجارب السابقة أن مشروعات التنمية التي نُفذت افتقرت للتخطيط السليم، وتحولت في كثير من الأحيان إلى غطاء لعمليات فساد كبرى شهد بها المختصون.

إن الوضع الأمني المتذبذب والتعقيد السياسي المستمر يراكمان الهدر المالي ويحبطان أي محاولة للإصلاح الاقتصادي الحقيقي. فالنهم المتزايد لتعزيز النفوذ السياسي عبر الموارد المالية يلتهم أي زيادة في الدخل، مما يحرم المجتمع من الاستفادة من ثرواته الطبيعية في تحسين مستوى العيش.

الزيادة في الدخل الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط ستتسرب إلى دوائر السلطة وتجد مسلكاً في دهاليزها ما لم يتغير نمط الإدارة.

بالمقارنة مع دول إقليمية ودولية، نجد أن هناك نماذج حققت استقراراً وتنمية اجتماعية رغم افتقارها للموارد الطبيعية الضخمة التي تمتلكها ليبيا. السر يكمن دائماً في قوة المؤسسات العامة وحسن إدارتها، وهو المربع الأول الذي يجب أن يبدأ منه الإصلاح في الدولة الليبية قبل الرهان على أسعار السوق.

لقد حصرت القيادات المتعاقبة تفكيرها في كيفية زيادة الدخل النفطي لتغطية نفقات استهلاكية متزايدة بشكل مخيف، دون الالتفات إلى ضرورة تنويع مصادر الدخل. هذا النهج كرس ثقافة الاتكال والاستهلاك التي تفتك بالمجتمع الليبي وتجعله رهينة لتقلبات الأسواق العالمية التي لا يملك السيطرة عليها.

إن التحول نحو اقتصاد منتج يتطلب إرادة سياسية لإنهاء حالة الانقسام وتوحيد المؤسسات المالية والرقابية لضمان شفافية الصرف. وبدون هذه الخطوات، ستظل طفرات أسعار النفط مجرد أرقام في حسابات المصرف المركزي، بينما يستمر المواطن في مواجهة أزمات السيولة والغلاء ونقص الخدمات الأساسية.

تستفيد قوى دولية مثل روسيا من الوضع الراهن لتعزيز موقعها التفاوضي في ملفات الطاقة، بينما تظل الدول المعتمدة على الريع النفطي في مهب الريح. ليبيا اليوم في أمسّ الحاجة إلى فك الارتباط بين الاستقرار المعيشي وسعر البرميل عبر تفعيل قطاعات بديلة وتحفيز القطاع الخاص.

إن التحذيرات من استمرار النهج الحالي تأتي في وقت حساس، حيث تتسارع التحولات العالمية نحو الطاقة البديلة، مما قد يجعل النفط مورداً ثانوياً في المستقبل. لذا فإن إهدار الفوائض الحالية في صراعات السلطة يمثل جريمة بحق الأجيال القادمة التي قد تجد نفسها أمام موارد ناضبة ومؤسسات محطمة.

ختاماً، يجب على النخبة الليبية والمجتمع إدراك أن الثروة الحقيقية تكمن في الإدارة الرشيدة والاستقرار السياسي وليس في براميل الخام. إن تصحيح المسار يبدأ من وقف النزيف المالي في دهاليز السلطة وتوجيه كل درهم إضافي نحو بناء قاعدة إنتاجية تحمي البلاد من تقلبات السياسة الدولية.

إن الرهان على 'مصائب قوم عند قوم فوائد' هو رهان خاسر في المدى الطويل إذا لم يقترن ببناء مؤسساتي صلب. فالفرح بارتفاع الأسعار يجب أن يتحول إلى حراك جاد للمطالبة بالشفافية والمساءلة، لضمان وصول هذه العوائد إلى مستحقيها من أبناء الشعب الليبي الطامح للاستقرار.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا