تفوح رائحة الكعك من غرف النازحين في معهد الأمل للأيتام بوسط مدينة غزة، لكنها لا تحمل الفرح للطفلة غزل الكباريتي ذات الأحد عشر عاماً. هذه الرائحة باتت تستدعي ذكريات حزينة لعائلة وبيت لم يتبقَ منهما سوى الركام، بعد أن فقدت غزل والديها وأشقاءها الأربعة في غارة استهدفت مكان نزوحهم.
تصف غزل حالها في العيد بكلمات مقتضبة قائلة 'لا عيد'، فالمناسبة التي كانت تعني صوت والدها وضحكات أمها تلاشت تماماً. في التاسع والعشرين من يناير 2024، دمرت غارة إسرائيلية حياة الطفلة في حي الرمال، لتصبح الناجية الوحيدة من بين عشرين فرداً من عائلتها.
تعيش غزل اليوم في كنف جدتها المسنة التي تحمل الجنسية المصرية، والتي تحاول جاهدة تعويض حفيدتها عن الفقد الهائل. تقول الجدة بمرارة إنها لا تملك ما تقدمه سوى حضنها، معبرة عن عجزها أمام احتياجات طفلة فقدت كل مقومات الأمان والبهجة في سن مبكرة.
في جانب آخر من مأساة اليتم، تبرز قصة نيبال حلايسة التي لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها، لكنها وجدت نفسها فجأة في دور الأم البديلة. نيبال التي فقدت والديها وأختها الكبرى في قصف استهدف حي الشجاعية، باتت تحمل على عاتقها تفاصيل الحياة اليومية لأربعة من أشقائها الصغار.
تقول نيبال إنها اضطرت لتقبل وصف 'يتيمة' رغم كرهها للكلمة، حيث تخلت عن أحلام المراهقة لتعتني بإخوتها. هي من توقظهم وتطعمهم وتغسل ملابسهم، وحتى كسوة العيد التي كان يشتريها والداها، باتت هي من تبحث عنها في الأسواق المنهكة لتسعد صغارها.
تواجه نيبال تحديات تفوق عمرها، فهي تحاول الحفاظ على تقاليد العائلة التي غابت برحيل الأم، مثل طبخ 'الفسيخ' والمعمول. ورغم قلة خبرتها في هذه الطقوس، إلا أنها تستعين بجاراتها في مراكز الإيواء لمحاولة خلق أجواء تشبه تلك التي عاشوها قبل الحرب.
خلف ملامح القوة التي تظهرها نيبال، يختبئ وجع عميق تعبر عنه بالقول إن الأهل لا يمكن تعويضهم بأي حال. تفتقد الفتاة وجود أخوات تفضفض لهن، وتؤكد أن التفكير المستمر في مستقبل إخوتها يحرمها من النوم، في ظل واقع يفتقر لأدنى مقومات الاستقرار.
في الغرف المجاورة، تتكرر المأساة مع أم حسام التي ترعى ثلاثة من أحفادها الأيتام، حيث يكتفي الأطفال بالبكاء كلما رأوا مظاهر التجهيز للعيد. تروي الجدة أن الأطفال لا يطلبون ألعاباً أو ملابس، بل يلحون في السؤال عن والديهم الذين غيبهم الموت تحت أنقاض منازلهم.
يشير نضال جرادة، مدير معهد الأمل للأيتام، إلى أن طبيعة العمل في المؤسسة التي تأسست قبل 77 عاماً تغيرت جذرياً. فالمعهد الذي كان يستقبل الأيتام بشكل فردي، أصبح الآن مأوى لآلاف النازحين، حيث يقيم الأيتام مع ما تبقى من أقاربهم في مساحات ضيقة تفتقر للخصوصية.
وتكشف الأرقام الصادرة عن المعهد عن كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث سُجل نحو 47 ألف يتيم جديد خلال حرب الإبادة الحالية. ويقدر العدد الإجمالي للأيتام في قطاع غزة بما يتراوح بين 65 و70 ألف طفل، وهو رقم يعكس حجم الدمار الاجتماعي الذي خلفه العدوان.
من بين هؤلاء الأيتام، هناك أكثر من 4 آلاف طفل فقدوا والديهم معاً، مما يتركهم في مهب الريح بلا سند مباشر. كما فقد أكثر من 3 آلاف طفل أمهاتهم، مما يضاعف من معاناة العائلات الممتدة التي تحاول سد الفراغ العاطفي والمادي في ظل ظروف معيشية قاسية.
توضح المختصة النفسية صفاء حجازي أن أيتام الأبوين يعانون من 'انقطاع حبل الأمان'، مما يجعلهم عرضة لمشاعر متناقضة بين الحزن والذنب. فالطفل في غزة قد يشعر بالذنب إذا حاول الفرح بالعيد، وكأن ابتهاجه يمثل خيانة لذكرى والديه الراحلين.
يعاني هؤلاء الأطفال من أعراض نفسية حادة تشمل الكوابيس، وفرط اليقظة، ونوبات الغضب المفاجئة نتيجة الصدمات المتلاحقة. وترى حجازي أن غياب عادات العيد المعتادة يزيد من حالة الاحتقان النفسي، مؤكدة على ضرورة توفير بيئة آمنة تعترف بمشاعرهم وتدعمهم.
تأتي هذه المآسي الإنسانية في وقت تشير فيه المعطيات الرسمية إلى استشهاد 72 ألف فلسطيني وإصابة نحو 172 ألفاً آخرين منذ أكتوبر 2023. ومعظم هؤلاء الضحايا من النساء والأطفال، مما يترك جرحاً غائراً في نسيج المجتمع الفلسطيني سيستغرق التئامه أجيالاً طويلة.
المصدر:
القدس