يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي تصعيد عدوانه على الأراضي اللبنانية، حيث أصدر أوامر إخلاء مفتوحة لسكان القرى الجنوبية، متجنباً الكشف عن سقف زمني أو أهداف نهائية للعملية البرية التي أعلن عنها رسمياً. وتثير هذه التحركات الميدانية مخاوف دولية ومحلية من نوايا إسرائيلية لإعادة احتلال أجزاء من الجنوب اللبناني، في تكرار لسيناريوهات سابقة انتهت بالانسحاب عام 2000.
وأعلن وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، انطلاق ما وصفها بـ 'العملية البرية' الجديدة، مدعياً أنها تهدف إلى إزالة التهديدات وتأمين سكان مستوطنات الجليل والشمال. وجاء هذا الإعلان بالتزامن مع دفع تعزيزات عسكرية ضخمة شملت ألوية مشاة ومدرعات نحو الحدود الشمالية، في مؤشر على نية الاحتلال توسيع رقعة المواجهة.
وفي تطور ميداني بارز، أكد جيش الاحتلال انضمام الفرقة العسكرية 36 إلى العمليات القتالية، مشيراً إلى تنفيذ نشاط بري 'مركز' يستهدف مواقع داخل الأراضي اللبنانية. وتتركز الهجمات في الوقت الراهن على محاور استراتيجية، حيث تسعى القوات الإسرائيلية لتثبيت موطئ قدم لها في المناطق الحدودية الوعرة.
وأفادت مصادر ميدانية بتعرض مدينة الخيام لقصف مدفعي إسرائيلي عنيف ومركز، في محاولة لتمهيد الطريق أمام القوات المتقدمة. وتعتبر منطقة الخيام نقطة ارتكاز حيوية في الدفاعات اللبنانية، مما يجعل الصراع عليها يتسم بضراوة شديدة من الطرفين.
من جانبه، صرح مصدر قيادي في حزب الله بأن المقاتلين يخوضون معارك صعبة في محور الخيام، مؤكداً أن التحركات الميدانية تخضع لتقديرات الظروف القتالية المتغيرة. وحذر المصدر من أن إصرار الاحتلال على تنفيذ عملية برية واسعة سيفتح الباب أمام استنزاف طويل الأمد لقواته التي باتت في مرمى نيران المقاومة.
ويرى محللون عسكريون في الصحافة العبرية أن الهدف المباشر للعمليات هو دفع قوات حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني لمنع استهداف الجليل. وأوضح المحلل آفي اشكنازي أن القوات دخلت بالفعل مناطق مثل مرتفعات راميم، لكنه أشار إلى وجود حالة من الغموض حول ما إذا كانت إسرائيل تسعى لفرض 'منطقة أمنية' دائمة.
ونقلت تقارير إعلامية عن مصادر رسمية في تل أبيب أن المعركة في لبنان غير محددة بمدة زمنية، سواء في شقها الجوي أو المناورة البرية الجارية. وأشارت المصادر إلى أن المستوى السياسي منح الضوء الأخضر لتدمير الصف الأول من المنازل في القرى الحدودية، كأداة ضغط على الحكومة اللبنانية.
وفي سياق متصل، شكك المحلل العسكري عاموس هارئيل في قدرة الهجوم البري على تحقيق هدف القضاء التام على قدرات حزب الله العسكرية. وأشار هارئيل إلى أن الانتشار الواسع قد يؤدي إلى احتكاك مستمر وغير فعال، خاصة وأن جزءاً كبيراً من الهجمات الصاروخية ينطلق من مناطق تقع شمال نهر الليطاني.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تقود فرنسا جهوداً حثيثة للتوصل إلى تسوية تنهي التصعيد العسكري، وسط تسريبات حول مقترحات تتضمن بنوداً سياسية مثيرة للجدل. وذكرت وسائل إعلام عبرية أن المقترح الفرنسي قد يتضمن اعترافاً لبنانياً بإسرائيل، وهو ما قوبل بنفي قاطع من الأوساط الرسمية في بيروت.
وأكد مصدر لبناني رفيع أن الحديث عن تطبيع العلاقات أو الاعتراف بالاحتلال هو أمر سابق لأوانه وغير مطروح على طاولة البحث حالياً. وشدد المصدر على أن الأولوية اللبنانية تتركز حصراً على وقف إطلاق النار الفوري والبدء بخطوات ميدانية تضمن أمن السيادة اللبنانية.
وتتضمن المبادرة اللبنانية التي طرحها الرئيس جوزيف عون أربع نقاط أساسية تبدأ بإعلان هدنة إنسانية وعسكرية لتمهيد الطريق أمام المفاوضات. وتهدف هذه المبادرة إلى معالجة القضايا الأمنية العالقة وضمان تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 1701.
ميدانياً، يواصل الاحتلال سياسة الأرض المحروقة، حيث استهدفت الغارات الجوية والقصف المدفعي مناطق سكنية واسعة في قضائي النبطية وصيدا. وتسببت هذه الهجمات في موجات نزوح كبيرة للسكان نحو المناطق الأكثر أمناً في عمق الأراضي اللبنانية.
وتشير الإحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية إلى سقوط 912 شهيداً منذ بدء العدوان الواسع في الثاني من مارس الجاري. ومن بين الضحايا عدد كبير من الأطفال والنساء، مما يعكس حجم الاستهداف الممنهج للمدنيين والبنية التحتية اللبنانية.
ويبقى المشهد في جنوب لبنان مفتوحاً على كافة الاحتمالات، في ظل إصرار الاحتلال على مواصلة عملياته العسكرية وتأكيد المقاومة على صمودها. ومع استمرار الحشود العسكرية على طرفي الحدود، تترقب الأوساط الدولية ما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية في الأيام القليلة القادمة.
المصدر:
القدس