تتصاعد المخاوف في قطاع غزة من عودة شبح المجاعة ليخيم على حياة المواطنين مع اقتراب حلول عيد الفطر، حيث باتت رفوف المحال التجارية فارغة تماماً من السلع الأساسية. ويقف الأهالي عاجزين أمام الارتفاع الجنوني في الأسعار الذي عمّق من هشاشة أوضاعهم المعيشية في ظل استمرار القيود الإسرائيلية المشددة على دخول المساعدات.
وأفادت مصادر ميدانية بأن سلطات الاحتلال عمدت منذ اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة إلى إغلاق معظم المعابر الحيوية، وحصرت حركة البضائع في معبر واحد فقط وبكميات شحيحة للغاية. هذا الإجراء دفع مؤسسات دولية للتحذير من أن سياسة 'تقطير' الإمدادات تهدف بشكل مباشر إلى إعادة إنتاج أزمة الجوع الحاد في كافة مناطق القطاع.
من جانبه، حذر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من استمرار إسرائيل في توظيف سياسات التجويع كسلاح ضمن جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها ضد المدنيين الفلسطينيين. وأوضح المرصد أن الاحتلال يتحكم بشكل كامل في كمية ونوعية المواد الغذائية المسموح بدخولها، مما يقلص تدفق المساعدات الإنسانية والتجارية إلى مستويات غير مسبوقة.
وأشار المرصد في بيان صدر مؤخراً إلى أن إسرائيل تستغل الانشغال الدولي بالتوترات الإقليمية لتشديد حصارها على غزة، حيث أغلقت المعابر بالكامل في فترات حرجة قبل أن تعيد فتحها جزئياً. وأكد البيان أن تقليص عدد الشاحنات المسموح بمرورها يفاقم الكارثة الإنسانية ويكرس آثار الدمار الشامل الذي يشهده القطاع منذ أشهر.
وعلى صعيد الواقع الميداني، ضجت منصات التواصل الاجتماعي بشكاوى المواطنين الذين أكدوا أن أسعار الطعام قفزت إلى مستويات تفوق القدرة الشرائية لأي عائلة. وذكر سكان محليون أن بعض أنواع الخضروات الأساسية وصل سعرها إلى 10 دولارات، في حين اختفت اللحوم والدواجن والبيض تماماً من الأسواق المحلية.
ونقل ناشطون شهادات مؤلمة عن أطفال ينامون ببطون فارغة نتيجة انعدام الخيارات الغذائية، وسط حالة من الصمت الدولي المطبق تجاه معاناتهم. وشدد الناشطون على أن ما يحدث ليس مجرد غلاء مؤقت، بل هو دفع ممنهج لمدينة كاملة نحو حافة الموت جوعاً، مطالبين العالم بكسر حاجز الصمت تجاه هذه الجريمة.
ووصف مواطنون في غزة الوضع الحالي بأنه 'قهر يحرق القلوب'، حيث يجد الآباء أنفسهم عاجزين عن توفير وجبة واحدة لأطفالهم الجائعين. وأكدت الشهادات أن السلع تتبخر من الأسواق بمجرد وصولها، وأن الأسعار قفزت بشكل غير مسبوق جعل من توفير لقمة العيش اليومية مهمة شبه مستحيلة في ظل الظروف الراهنة.
وفي سياق متصل، أوضحت تقارير اقتصادية أن انفجار الأسعار يعود إلى النقص الحاد في المعروض مقابل الطلب المتزايد مع اقتراب موسم العيد، وهو ما يفرضه الإغلاق المتكرر للمعابر. وأجمع مراقبون على أن هذه المؤشرات تدل على كارثة غذائية وشيكة قد تخرج عن السيطرة إذا لم يتم فتح المعابر بشكل كامل وفوري.
وكانت السلطات الإسرائيلية قد أعادت فتح معبر كرم أبو سالم في الثالث من مارس الجاري، لكنها اقتصرت الشحنات على كميات محدودة من الوقود وبعض المساعدات القادمة عبر مصر. وفي المقابل، ظلت عمليات نقل المساعدات الحيوية القادمة من الضفة الغربية والأردن معلقة لفترات طويلة، مما حرم السكان من موارد أساسية.
ورغم استئناف بعض الواردات التجارية عبر المعبر ذاته، إلا أن الكميات المدخلة لا تمثل سوى 40% من الحصة التي تم الاتفاق عليها سابقاً بموجب تفاهمات وقف إطلاق النار. هذا النقص الحاد يبقي الأسواق في حالة من الشلل الدائم ويجعل من الصعب على التجار والمواطنين تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.
ويبقى سكان قطاع غزة في مواجهة يومية مع عدم اليقين وشبح الجوع الذي يطرق أبوابهم بقسوة، في ظل استمرار الحصار والتضييق الإسرائيلي. وتتجه الأنظار نحو المجتمع الدولي للضغط من أجل إدخال المساعدات الإنسانية والتجارية دون قيود، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان وحلول كارثة إنسانية كبرى.
المصدر:
القدس