د. أحمد الطيبي: الصلاة على عتبات السور وباب الساهرة أبلغ رد على محاولات التقييد.. إن المصلين يراقبون المسجد بقلوبهم ويحولون كل زقاق إلى "محراب"
سامي أبو شحادة: حصار المسجد الأقصى لا يمس فقط حرية العبادة والديانة بل يندرج ضمن مشروع سياسي إسرائيلي مستمر منذ فترة طويلة
زياد الحموري: هناك إدراك واسع بأن الخطوة التي اتخذها الاحتلال بإغلاق "الأقصى" ترتبط بترتيباتٍ ومخططاتٍ تتعلق بقضية بناء "الهيكل"
د. محمد ربعي: "الأقصى" يقف اليوم وحيداً يلفّه صمتٌ موجع وتطلّ العشرُ الأواخر على القدس هذا العام غريبة كأنها "عامُ الحزن" الذي لم ينتهِ بعد
خاص بـ القدس-
يواصل الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى المبارك، ومنع المصلين من الوصول إليه، لليوم السادس عشر على التوالي، وهي المرة الأولى منذ عام 1967 التي يُمنع فيها المصلون من أداء الصلاة والاعتكاف في المسجد وإحياء ليلة القدر، إذ شهد محيط البلدة القديمة وأبواب المسجد إجراءات عسكرية مشددة، ما حال دون تمكن الكثيرين من أداء الصلاة.
واعتبر متحدثون وشخصيات مقدسية ودينية لـ"ے" أن إغلاق المسجد يأتي ضمن سلسلة من الإجراءات والتقييدات التي تُفرض على المصلين، الأمر الذي يثير استياء واسعاً بين المواطنين، خاصة في المناسبات الدينية التي تشهد عادة توافد آلاف المصلين إلى المسجد المبارك، محذرين من التصاعد الخطير في خطاب التحريض الذي تقوده ما تُسمّى "منظمات الهيكل" المتطرفة ضد الأقصى، في ظل استمرار إجراءات الإغلاق.
أسوار المسجد الأقصى شاهدة على "مفارقة مؤلمة"
يقول رئيس كتلة الجبهة العربية للتغيير في الكنيست د. أحمد الطيبي: "في الوقت الذي تشرع فيه أبواب المصانع والمطاعم والمراكز التجارية في كل مكان، وتنبض فيه الأسواق بالحياة شبه الروتينية ، تقف أسوار المسجد الأقصى شاهدةً على "مفارقة مؤلمة" وقرار جارف يفتقر لأي منطق تنظيمي أو أمني مبرر".
ويتساءل الطيبي: كيف يمكن للعالم أن يفسر السماح بالتجمعات في "معابد الاستهلاك" ومنعها في "محراب الروح"؟ أو السماح باحتفالات البوريم في نحلؤوت لمئات اليهود ومنع المسلمين من الصلاة، خاصة في شهر رمضان والعشر الاواخر وليلة القدر قريبا.
اختبار للإرادة
ويضيف الطيبي: "في هذه الليالي المباركة من العشر الأواخر، يرقب الصائمون مآذن الأقصى بعيون تحدق وقلوب يملأها الشوق. المشهد في القدس اليوم ليس مجرد مشهد مدينة محاصرة، بل هو اختبار للإرادة.
ويؤكد الطيبي ان العيون الشاخصة ترى المصلين يقفون على أقرب نقطة تسمح بها القيود، يفترشون الأرصفة، وتلتحف سجادة صلاتهم برد الشوارع، وعيونهم لا تغادر قبة الصخرة.
ويشير الى المفارقة الصارخة بانه لا يوجد تفسير منطقي يبرر منع المصلين كلياً من ممارسة حقهم الطبيعي في العبادة، بينما تستمر عجلة الاقتصاد والمرافق العامة بالدوران دون عوائق. إنها سياسة تهدف إلى تغييب الهوية الروحية للمدينة في أقدس أوقاتها.
حق أساسي تكفله كافة الشرائع الدولية
ويرى الطيبي أن صلاة المقدسيين وأهلنا من الداخل والضفة على عتبات السور وباب الساهرة هي أبلغ رد على محاولات التقييد. إنهم يراقبون المسجد بقلوبهم، ويحولون كل زقاق في القدس إلى "محراب".
ويقول الطيبي: "لقد طرحنا هذا التناقض بوضوح؛ فالحق في العبادة ليس منّة من أحد، بل هو حق أساسي تكفله كافة الشرائع الدولية، وما يحدث اليوم هو محاولة لفرض واقع جديد يكسر الروابط الوجدانية بين المسلم ومسجده في ذروة تعبده."
ويشدد الطيبي في ختام حديثه لـ"ے" على أن مآذن الأقصى ستبقى تصدح، وسيبقى الصائمون يرقبون فجر حريتهم من خلف الأسوار. إن منع الصلاة في المسجد بينما تفتح "المولات" أبوابها هو شهادة إدانة صارخة ضد منطق الكيل بمكيالين.
رمز ديني ووطني
ويؤكد سامي أبو شحادة، رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، أن المسجد الأقصى يشكّل رمزاً دينياً ووطنياً، وأن ما يجري حالياً من حصار للمسجد الأقصى ومنع المصلين من الوصول إليه لا يمس فقط بحرية العبادة والديانة، بل يندرج ضمن مشروع سياسي مستمر منذ فترة طويلة.
ويوضح أن هناك اعتداءات متواصلة على المسجد الأقصى تقوم بها سلطات الاحتلال، ويؤكد أن هذه الإجراءات غير قانونية ومرفوضة، لأن القانون الدولي لا يمنح دولة الاحتلال سيادة على القدس أو على المسجد الأقصى، وأن جميع هذه الخطوات تتناقض مع قواعد القانون الدولي.
ويضيف أبو شحادة: إن هذه الإجراءات تمس بشكل مباشر بحرية العبادة ومشاعر المصلين المسلمين، كما تؤثر على أدائهم لطقوسهم الدينية وتقاليدهم، خاصة في شهر رمضان، حيث يتوافد إلى المسجد الأقصى عشرات الآلاف وربما أكثر من مئة ألف مصلٍ يوميا في الظروف الطبيعية.
ويشير إلى أنه لولا القيود التي يفرضها الاحتلال، لكان ملايين المسلمين من مختلف أنحاء العالم قادرين على زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه، ويوضح أنه حتى أبناء الشعب الفلسطيني أنفسهم، سواء من قطاع غزة أو الضفة الغربية، محرومون من الوصول إلى المسجد.
ويؤكد أبو شحادة أن هذا الواقع يمس كرامة ومشاعر كل مسلم، بل وكل من يؤمن بحقوق الإنسان الأساسية وحرية العبادة.
اختبار لردود الفعل
ويعرب أبو شحادة عن خشيته من أن يكون ما جرى بمثابة اختبار لردود الفعل، ويحذر من احتمال أن تتكرر مثل هذه الإجراءات في المستقبل تحت ذرائع مختلفة تؤدي إلى إغلاق المسجد الأقصى مرة أخرى.
ويرى أبو شحادة أن شهر رمضان يشهد عادة أعداداً كبيرة من المصلين في الأقصى، إذ تجاوز عدد الزوار في العام الماضي ثلاثة ملايين مصلٍ خلال الشهر الفضيل، فيما تشهد ليلة القدر تحديدا حضورا واسعًا، حيث يحرص مئات الآلاف سنويا على أداء الصلاة في المسجد الأقصى في تلك الليلة المباركة.
تداعيات وآثار
ويقول مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية زياد الحموري: إن شهر رمضان هذا العام كان من أسوأ الأعوام بالنسبة للمسلمين الذين اعتادوا أداء صلاة الجمعة أو قضاء العشر الأواخر من رمضان في المسجد الأقصى المبارك، إذ حُرم كثيرون من ذلك، الأمر الذي ترك أثراً كبيراً في نفوس الناس الذين ارتبطوا روحانياً بالأقصى عبر سنوات طويلة، ومن المتوقع أن تظل لهذه الإجراءات تداعيات وآثار حتى في المستقبل.
ويضيف الحموري أن هناك إدراكاً واسعاً بأن الخطوة التي اتخذها الاحتلال بإغلاق الأقصى ترتبط، في نظر كثيرين، بترتيبات ومخططات تتعلق بقضية بناء "الهيكل".
ويوضح الحموري أن هذا الإغلاق حرم أهالي القدس، والفلسطينيين من الداخل، وسكان الضفة الغربية من أداء عباداتهم في المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، وهو ما يعد حرماناً كبيراً، ليس فقط من الصلاة في الأقصى، بل أيضا من الوصول إلى البلدة القديمة، حيث إن عددا من التجار لم يعد بإمكانهم الوصول إلى محالهم إذا لم يكونوا من سكان المنطقة.
ويشير الحموري إلى أن هذه الإجراءات تأتي في ظل انتشار مقاطع مصورة وتصريحات من قبل بعض المستوطنين تتحدث عن إقامة الهيكل مكان المسجد الأقصى، إضافة إلى ما وصفه بحالة التبجح لدى بعضهم باقتراب تنفيذ هذه الفكرة.
مؤشرات مقلقة
ويلفت إلى أنه قبل أحداث 7 أكتوبر كانت هناك مؤشرات مقلقة، من بينها الحديث عن تجهيزات مرتبطة بهذا المشروع، بما في ذلك إحضار ما يُعرف بـ"البقرات الحمراء"، إلى جانب الإعلان للمرة الأولى عن ميزانية حكومية مخصصة لموضوع بناء الهيكل، وهو أمر لم يكن يحدث سابقا، إذ كانت هذه القضية تُطرح غالباً من قبل جماعات استيطانية أو جمعيات دينية، وليس بشكل مباشر من الحكومة.
ويؤكد الحموري أن ما حدث هذا العام قد يكون الأول من نوعه منذ عام 1967 من حيث منع أعداد كبيرة من المسلمين من الوصول إلى المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، ويشير إلى أن الإغلاقات كانت تحدث في سنوات سابقة، لكنها لم تكن بهذا الشكل الشامل وفي هذا التوقيت الحساس من الشهر الفضيل.
الاحتلال لن يستطيع إزالة قدسية المسجد الأقصى
ويقول الباحث في شؤون القدس فخري أبو دياب إنه في هذه الليالي المباركة، ومع الألم والحسرة والشوق إلى المسجد الأقصى، ورغم كل ما يقوم به الاحتلال من محاولات لإبعاد أجساد المقدسيين وتفريغ المسجد الأقصى من المصلين، فإنه لن يستطيع إزالة قدسية المسجد الأقصى أو محبته من قلوب المقدسيين.
ويضيف: كلما ازداد الاحتلال في منع أداء العبادات والصلاة والاعتكاف والرباط في المسجد الأقصى، ازدادت محبة الناس وشوقهم إليه. ويوضح أن هذه الأيام ليست مجرد ليالٍ للعبادة فحسب، بل هي أيضًا أيام لتجديد العهد مع المسجد الأقصى والدعاء بأن يرفع الله عنه الحصار والإغلاق.
ويشير أبو دياب إلى أن الاحتلال قد يظن أنه من خلال إغلاق المسجد الأقصى وإبعاد المصلين عنه يستطيع فرض سيطرته الكاملة عليه، إلا أن ذلك قد يتحول إلى شرارة قد تفجر الأوضاع في القدس.
ويلفت إلى أن الأشهر الماضية، منذ العدوان على الشعب الفلسطيني في غزة، شهدت تراجعاً نسبياً في مظاهر الوقوف مع المسجد الأقصى، لكن هذا الإغلاق قد يعيد الزخم ويعيد الشارع المقدسي إلى موقعه السابق.
محاولات لفرض وقائع جديدة
ويوضح أبو دياب أن الاحتلال يحاول خلق فجوة بين أهل القدس والمسجد الأقصى لتسهيل فرض وقائع جديدة عليه في المستقبل، غير أن تشديد الإجراءات والحصار والإغلاق لن يؤدي إلا إلى زيادة تعلق الناس بالأقصى.
ويضيف أبو دياب: إن المسجد الأقصى، خاصة في هذه الأيام من العشر الأواخر من رمضان، يمثل بالنسبة لأهل القدس مصدر الروح والسكينة، وكأنه الأكسجين الذي يتنفسون منه. لذلك فإن حرمانهم من هذا المصدر لن يخنقهم، بل قد يدفعهم إلى التحرك للدفاع عن هذا المكان الذي يمثل لهم القلب من الجسد.
ويتابع: إن ما يجري، رغم قسوته، قد يؤدي إلى إعادة تماسك الشارع المقدسي واستعادة دوره في الدفاع عن المسجد الأقصى، كما حدث في محطات سابقة شهدت هبات وانتفاضات شعبية ضد إجراءات الاحتلال.
ويختتم أبو دياب حديثه بالقول: إن هذا الإغلاق، رغم ما يحمله من ألم وحرمان من العبادة والاعتكاف والرباط في المسجد الأقصى، قد يتحول إلى شرارة لتغيير الأوضاع في القدس، وإلى رسالة واضحة للاحتلال بأن المسجد الأقصى لن يكون سهل التغيير أو السيطرة.
ويشير إلى أن بوادر التحرك بدأت بالفعل من خلال إقامة بعض الصلوات في محيط المسجد الأقصى.
الصائمون يرقبُون "الأقصى" من خلفِ الحواجز
يقول الخبير في مجال البناء المؤسسي و المختص بعالم القيادة والقيم د.محمد ربعي: "في أطهرِ بقاع الأرض، وحيث تلتقي تنهيداتُ الأرضِ بوعودِ السماء، تطلُّ العشرُ الأواخرُ على القدس هذا العام غريبةً، كأنها "عامُ الحزن" الذي لم ينتهِ بعد".
يضيف: "هناك، حيثُ كان ينبغي أن تزدحمَ المصاطبُ بدموعِ المتهجدين، وتقرعَ الخطواتُ أبوابَ الجنةِ الأرضية، يقفُ المسجدُ الأقصى اليوم وحيداً، يلفُّه صمتٌ موجع، وتُحاصرهُ قسوةُ الحديدِ التي منعتِ الجباهَ من ملامسةِ الثرى".
ويؤكد ربعي أن الصائمين يرقبُون الأقصى من خلفِ الحواجز، وتكادُ أرواحهم تسبقُ أجسادهم التي قيّدها الحصار.
ويضيف ربعي "هذا المشهدُ يُعيدُ للأذهانِ وجعَ الصحابةِ الذين حُبسوا عن "عمرة القضاء"، يومَ أن كان النبي ﷺ ينظرُ إلى مكةَ من بعيد ويقول: "واللهِ إنكِ لأحبُّ أرضِ اللهِ إليَّ". "
ويتابع القول: "اليوم، كل مقدسيٍّ يقفُ على عتبةِ الطريق، يرمقُ القبةَ الذهبيةَ بعينينِ دامعتين، يُرددُ بلسانِ حاله ما قاله كعبُ بن مالك حين تخلف عن الركب: "فكنتُ أطوفُ في الأسواق فلا يكلمني أحد". هي غربةُ الروحِ في وطنها، وصلاةُ القلبِ خلفَ قضبانِ الحرمان.
ويشير ربعي إلى قساوة رفع المؤذنُ نداءَ "حيَّ على الصلاة"، فلا يجدُ خلفه إلا صدى صوتهِ المبحوح، ورياحاً تمرُّ بين الأعمدةِ الرخاميةِ التي اشتاقت لزحامِ الأكتاف. في هذه الليالي، يرتسمُ كربُ النبي ﷺ في "ليلةِ الطائف"؛ حين نادَى ربه بضعفهِ وقلةِ حيلته.
قيمة "الاحتساب الـمُر"
ويؤكد ربعي أن الصائمين اليوم، الذين يفطرون على أرصفةِ الشوارع لأنهم مُنعوا من دخولِ ساحاتهم، يجسدون قيمة "الاحتساب الـمُر"؛ هم يعلمون أنَّ المحرابَ يبكي شوقاً لساجديه، وأنَّ المنبرَ يحنُّ لزفيرِ المؤمنين كما حنَّ "جذعُ النخلة" لرسول الله ﷺ حين فارقه.
ويقول: "لذا يرقبُ المقدسيون الأقصى في العشرِ الأواخرِ ليس كأثرٍ تاريخي، بل كقطعةٍ من عقيدتهم تُذبحُ كل ليلة. "
ويوضح ربعي انه ورغم الحزنِ الذي يلفُّ زقاق البلدة القديمة، ورغم دموعِ العجائزِ اللواتي منعن عن اعتكافهنَّ المعتاد، يبقى اليقينُ بأنَّ "الضيقَ لا يدوم".
ويضيف: "إنهم يستحضرون لحظة دخول النبي ﷺ مكةَ فاتحاً، مُنحنياً على ناقتهِ تواضعاً لله، بعد أن ذاقَ مرارةَ الإخراجِ والمنعِ لسنواتٍ طوال".
ويختتم ربعي حديثه بالقول: إنَّ الأقصى في هذه الليالي لا يبكي خذلانَ الحجر، بل يبكي غربةَ البشر. سيظلُّ الصائمون يرقبونهُ بقلوبٍ محترقة، يُصلّون بدموعهم حيثُ عجزت أقدامهم، مؤمنين أنَّ اللهَ الذي أسرى بنبيهِ ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، قادرٌ على أن يُسري بالفرجِ إلى تلك القبابِ الحزينة، ليصدحَ التكبيرُ مجدداً في ساحاتٍ غسلها دمعُ المحبين وانتظارُ الصابرين. فيا من تُصلّون على الأسفلتِ وتحتَ هراواتِ القسوة، أنتم اليوم "القدوةُ السلوكيةُ" للأمةِ بأسرها. أنتم تجسدون قيمة "الوفاء" في زمنِ التخاذل.
ويخاطب ربعي المصلين "اعلموا أنَّ منعكم من دخولِ الأقصى هو وسامُ شرفٍ، فأنتم تحرسونه بقلوبكم حيثُ غابت الأجساد. تذكروا قولَ النبي ﷺ لصحابتهِ حين اشتدَّ الكرب: "أبشروا، واستبشروا بما يسرُّكم".
المصدر:
القدس