آخر الأخبار

تراجع تحليق الطائرات المسيرة في غزة: الأسباب والآثار النفسية

شارك

شهدت أجواء قطاع غزة خلال الأيام الماضية انخفاضاً ملموساً في وتيرة تحليق الطائرات المُسيّرة الإسرائيلية، المعروفة محلياً باسم 'الزنانات'، مما أضفى مساحة من الهدوء النسبي على ليالي النازحين في الخيام. هذا التبدل المفاجئ في 'سيمفونية الموت' اليومية التقطه السكان المنهكون فوراً، حيث انعكس على تفاصيل حياتهم البسيطة من نوم أقل تقطعاً وسحور غابت عنه أصوات الطنين المزعجة.

ورغم أن هذا الصمت الجوي لم يعنِ توقف العدوان بشكل كامل، إلا أن غياب الأزيز الدائم منح العائلات المقيمة في خيام القماش والنايلون فرصة لالتقاط الأنفاس. وتؤكد مصادر ميدانية أن القصف المدفعي وإطلاق النار لا يزالان مستمرين، خاصة في المناطق التي يصنفها الاحتلال كـ 'مناطق صفراء'، والتي تلتهم مساحات واسعة من أراضي القطاع.

ويربط الغزيون بين هذا الهدوء النسبي واشتعال الجبهات الإقليمية في لبنان وإيران، معتبرين أن الموارد الجوية للاحتلال قد تم توزيعها على ساحات أخرى. ومع ذلك، يسود شعور بالحذر بين السكان الذين يدركون أن هذه السكينة قد تكون مجرد استراحة عابرة في حرب طويلة لم تضع أوزارها بعد.

فاطمة صالح، نازحة في مدينة غزة، تروي كيف تبدلت ليالي رمضان لتصبح أكثر هدوءاً بعد تراجع أصوات المسيّرات التي كانت تقطع نوم أطفالها. وتقول إن الخوف الذي كان يسبق النوم تراجع نسبياً، حيث كان الأطفال يربطون بين صوت 'الزنانة' والوقوع الوشيك للغارات الجوية القاتلة.

من جانبه، يصف المواطن عصام الداعور التغيير بأنه لمس تفاصيل يومية مباشرة، حيث أصبح السحور أكثر هدوءاً والليالي أقل إنهاكاً للأعصاب. ويشبه الداعور صوت الطائرة المسيرة بنحلة تطن داخل الأذن مباشرة، مما يجعل العيش تحت تحليقها المستمر نوعاً من التعذيب النفسي المتواصل.

وفي مخيمات النزوح، لاحظت الأمهات تغيراً في سلوك الأطفال الذين كانوا يستيقظون صراخاً من الخوف بسبب الطنين الدائم. إيناس غباين تشير إلى أن أطفالها باتوا يتحركون بقدر أقل من الرهبة للتوجه إلى المرافق الخارجية، بعد أن كانت 'الزنانة' تلازم السماء على مدار الساعة وتزرع الرعب في نفوسهم.

ابتسام الهواري، التي تعيش في خيمة تفتقر للعزل الصوتي، تؤكد أن الضجيج كان يخترق جدران القماش ويتلف الأعصاب بشكل يومي. وتوضح أن العائلة كانت تعيش في حالة ضغط دائم حيث لا يسمع أفرادها بعضهم البعض، لكن التراجع الحالي وفر لهم راحة نفسية كانوا يفتقدونها منذ أشهر.

كانت الزنانة تعيش معنا داخل الخيمة، لا يفصلنا عنها شيء، لكننا الآن نشعر براحة كبيرة ونتمنى أن تستمر.

وعلى الصعيد التحليلي، يرى الصحفي عاصم النبيه أن انخفاض التحليق يعود لتوزع القدرات الإسرائيلية على جبهات متعددة، مما قلل من استئثار غزة بالموارد الجوية. ويشير إلى أن هذا التراجع، وإن كان تقنياً، إلا أنه كشف عن حجم الأثر النفسي العميق الذي تتركه هذه الطائرات على حياة المدنيين.

طبياً، يوضح الدكتور أسامة عماد، استشاري الصحة النفسية أن أصوات المسيرات تمثل شكلاً من أشكال التعرض المستمر للخطر والتهديد. ويؤكد أن هذا الضجيج يولد شعوراً بالعجز وفقدان السيطرة، ويبقي الإنسان في حالة استنفار عصبي دائمة تؤدي إلى اضطرابات جسدية ونفسية حادة.

ويضيف عماد أن الأعراض الجسدية المرافقة لهذا الضجيج تشمل خفقان القلب، الصداع المزمن، واضطرابات الهضم، وفقدان الشهية نتيجة التوتر. أما بالنسبة للأطفال، فإن الآثار تتجاوز ذلك لتصل إلى الكوابيس الليلية، والتبول اللاإرادي، وصعوبات في النطق والتركيز بسبب حالة الترقب الدائم.

ويرى المختصون أن هذا التراجع المؤقت يمثل 'فرصة للاستشفاء' ومنح الجهاز العصبي راحة من حالة الاستنفار القصوى. ومع ذلك، يحذر الأطباء من أن الأعراض النفسية الراسخة تحتاج إلى تدخل طبي طويل الأمد، ولا تزول بمجرد غياب الصوت لفترة قصيرة، خاصة مع احتمال عودة التحليق في أي لحظة.

حقوقياً، يصف المحامي علاء السكافي استخدام المسيرات بهذا الشكل بأنه انتهاك جماعي لكرامة وحقوق المدنيين في قطاع غزة. ويرى السكافي أن الطائرات تحولت من أدوات استطلاع إلى أدوات قتل مباشر وترويع نفسي، مما يتعارض بشكل صارخ مع مبادئ القانون الدولي الإنساني.

وتشير تقارير فنية إلى أن الاحتلال حول قطاع غزة إلى 'مختبر مفتوح' لاختبار أحدث طرازات الطائرات المسيرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ويتم اختبار هذه التقنيات على أجساد وأعصاب المدنيين في غزة قبل تسويقها عالمياً كمنتجات 'مجرّبة قتالياً'، وهو ما يضيف بعداً تجارياً مأساوياً لمعاناة السكان.

ويبقى سكان غزة، رغم هذه السكينة المؤقتة، يترقبون السماء بحذر، مدركين أن طائرات الاحتلال التي غابت قليلاً قد تعود في أي لحظة. إنهم يثمنون هذه الساعات الهادئة، لكنهم يطالبون بوقف شامل للعدوان ينهي كابوس 'الزنانات' وإلى الأبد، ليعود ليلهم آمناً حقاً لا مجرد استراحة بين غارتين.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا