تخيم حالة من السكون الحزين على أروقة المسجد الأقصى المبارك في ليلة السابع والعشرين من رمضان، حيث غابت خيام المعتكفين وأصوات المتهجدين قسراً. يأتي هذا المشهد الصادم نتيجة قرار سلطات الاحتلال استمرار إغلاق المسجد منذ أواخر فبراير الماضي، مما أجهض آمال آلاف الفلسطينيين في إحياء ليلة القدر داخل رحابه الطاهرة.
وتذرعت سلطات الاحتلال في قرارها بحالة الطوارئ والقيود المفروضة على التجمعات، في خطوة اعتبرتها مصادر محلية تدخلاً سافراً في صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية. هذا الإغلاق لم يكن مجرد إجراء إداري، بل تحول إلى وجع يسكن قلوب المقدسيين الذين اعتادوا شد الرحال والاعتكاف في العشر الأواخر من الشهر الفضيل.
الشابة المقدسية شيماء عبد، التي دأبت على الاعتكاف منذ خمس سنوات، تصف مشاعرها بمرارة وهي تخاطب المسجد من خلف الأبواب المغلقة. تقول شيماء إنها تشتاق للسجود على بلاط الباحات وعناق أعمدة الرخام، مؤكدة أن الأقصى يمثل جزءاً أصيلاً من هويتها الروحية التي لا يمكن انتزاعها.
وتستذكر شيماء تفاصيل رحلتها مع الاعتكاف التي بدأت عام 2021، حيث كانت تفتنها أجواء صلاة التهجد ونصب الخيام على المصاطب التاريخية. كانت تلك الليالي تجمع المسلمين من مختلف بقاع الأرض، من القدس والضفة والداخل الفلسطيني، وحتى زواراً من دول إسلامية بعيدة مثل تركيا وإندونيسيا.
وتشير المصادر إلى أن أجواء الاعتكاف شهدت تضييقات متصاعدة خلال العامين الأخيرين، شملت منع العودة للمسجد بعد التراويح وعمليات تفتيش مهينة للخيام. ورغم تلك التحديات، كان المعتكفون يصرون على البقاء، مستمدين قوتهم من حلقات العلم وتلاوات أئمة المسجد الندية التي تملأ المكان سكينة.
ومع استمرار الإغلاق هذا العام، سيطرت مشاعر الإحباط والضيق على المصلين الذين كانوا يأملون بفتح الأبواب ولو في الأيام الأخيرة من رمضان. وقد عبرت شيماء عن هذا الفقد بالبكاء في كل ليلة، داعية الله أن يرد الفلسطينيين إلى مسجدهم ويخلصهم من قيود الاحتلال التي حرمتهم خير ليالي السنة.
من جانبها، تروي تيماء أبو ليلى تجربتها القاسية مع الحرمان، حيث انسلخت قسراً عن طقس سنوي كانت تشارك فيه رفقة صديقاتها. ترى تيماء أن التغير الذي طرأ على المسجد منذ اندلاع الحرب أواخر عام 2023 كان مؤلماً للغاية، حيث تحولت ساحات العبادة إلى ثكنات مدججة بالسلاح والمراقبة.
وتصف تيماء مشهد ليلة القدر في السنوات الماضية بأنه كان 'جنة الأرض'، حيث تزدحم الساحات بخلايا نحل من المصلين والمتطوعين. كانت خيام الاعتكاف تُرص بجانب بعضها البعض في مشهد مهيب يثلج الصدر، ويعكس وحدة الشعب الفلسطيني وترابطه في أقدس بقاع الأرض بالنسبة لهم.
وفي ظل المنع الحالي، تضطر تيماء لإحياء ليلة القدر في مسجد محلي ببلدة كفر عقب، لكنها تؤكد أن لا بديل يغني عن الأقصى. تشعر الشابة بغربة الروح وإنهاك جسدي نتيجة البعد القسري، معتبرة أن المسجد الأقصى هو بيتها ومستراحها الذي تتزود منه بالسكينة طوال العام.
أما المقدسي زهدي عليان، البالغ من العمر 62 عاماً، فيواجه هذا العام انقطاعاً عن عادة واظب عليها منذ نحو ثلاثة عقود. يطل منزل عليان في حي رأس العامود مباشرة على قبة الصخرة المشرفة، لكن هذه الإطلالة باتت مصدراً للألم بدلاً من الأنس بسبب عجزه عن الوصول للمسجد.
ويجتمع عليان مع مجموعة من المقدسيين للاعتكاف في مسجد محمد الفاتح القريب، حيث يقفون في الساحة الخارجية ينظرون بحسرة إلى سور القدس. يقول عليان إنهم يبكون حرقة على إغلاق الأقصى، معتبراً أن رمضان دون الصلاة في رحابه يفقد الكثير من معانيه الروحانية والوجدانية.
ويصف عليان قرار تمديد الإغلاق بحجة الطوارئ بأنه 'فاجعة' توازي خبر فقدان شخص عزيز، مؤكداً أن الاتصال بالله في الأقصى له طعم فريد. يرى هذا المسن أن الوقوف في جنبات المسجد يشعره بأنه عند أبواب السماء، وهو شعور لا يمكن تعويضه في أي مكان آخر على وجه الأرض.
إن غياب المعتكفين هذا العام يترك فراغاً كبيراً في هوية المدينة المقدسة خلال الشهر الفضيل، حيث تبدو الساحات موحشة بلا صخب الأطفال أو همسات السحور. هذا الصمت القسري يعكس حجم المعاناة التي يعيشها المقدسيون في ظل سياسات التضييق الممنهجة التي تستهدف وجودهم الديني والوطني.
ورغم الأبواب الموصدة، يبقى العهد قائماً في قلوب المحرومين الذين يرفرفون بأرواحهم فوق مآذن الأقصى وباحاته. يختتم المقدسيون ليلتهم بالدعاء والرجاء بأن ينجلي ليل الأمة وتفتح الأبواب مجدداً، مؤكدين أن الجسد قد يُمنع لكن القلوب تظل معلقة بكل محراب وزاوية في المسجد المبارك.
المصدر:
القدس