دخلت المنطقة منعطفاً تاريخياً خطيراً مع انطلاق العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. وتهدف هذه التحركات، التي تقودها إدارة الرئيس دونالد ترامب بالتنسيق مع حكومة بنيامين نتنياهو، إلى إعادة هندسة الشرق الأوسط سياسياً وجيوسياسياً، وفرض واقع جديد ينهي نفوذ طهران وحلفائها في المنطقة بشكل كامل.
استخدمت القوات المهاجمة ترسانة عسكرية ضخمة شملت قاذفات B1 وB2 الاستراتيجية وأساطيل بحرية متطورة، مما أدى إلى دمار واسع في البنى التحتية الإيرانية. وقد أسفرت الموجات الأولى من القصف عن سقوط أكثر من 1330 قتيلاً، وكان الحدث الأبرز هو اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، مما وضع النظام الإيراني أمام اختبار وجودي غير مسبوق في تاريخ الثورة.
لم تتأخر طهران في الرد، حيث أطلقت أكثر من 2000 صاروخ وطائرة مسيرة استهدفت القواعد الأمريكية في المنطقة والعمق الإسرائيلي، مما أدى لمقتل 14 إسرائيلياً و7 جنود أمريكيين. هذا الرد العسكري كشف عن استخدام أجيال جديدة من الصواريخ الدقيقة والعنقودية التي تحمل رؤوساً متفجرة تزن أكثر من طن، مما أربك الحسابات الدفاعية للتحالف المهاجم.
على الصعيد السياسي الداخلي في إيران، سارعت مؤسسات الدولة لمبايعة مجتبى علي خامنئي مرشداً جديداً للبلاد، في خطوة تهدف لقطع الطريق أمام أي فراغ دستوري أو انهيار داخلي. ويُنظر إلى هذا التعيين السريع كتحدٍ مباشر لخطط واشنطن وتل أبيب الرامية لتنصيب قيادة بديلة تتماهى مع الأجندة الغربية وتخضع لإملاءات البيت الأبيض.
اقتصادياً، تسببت الحرب في زلزال بأسواق الطاقة العالمية، حيث قفزت أسعار النفط لتتجاوز حاجز الـ 100 دولار للبرميل، مع توقف الملاحة في مضيق هرمز لليوم العاشر توالياً. ويعد السيطرة على هذا الممر المائي، الذي يمر عبره 25% من صادرات النفط العالمي، أحد الأهداف الاستراتيجية للحرب لضمان تدفق البترودولار والتحكم في مقدرات الشعوب.
تشير التقارير إلى أن الكلفة المالية للنزاع بلغت أرقاماً فلكية في أيامها الأولى، حيث أنفق البنتاغون نحو 5 مليارات دولار على الذخائر خلال 48 ساعة فقط. وفي المقابل، سجلت إسرائيل خسائر تجاوزت 6 مليارات دولار في الأسبوع الأول، مما يزيد الضغوط على الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني أصلاً من مديونية تتجاوز 33 تريليون دولار.
وفي ظل العجز عن صد المسيرات الإيرانية بشكل كامل، طلبت واشنطن دعماً تقنياً وعسكرياً من أوكرانيا، شمل إرسال خبراء ومسيرات اعتراضية لحماية القواعد الأمريكية في الأردن. وتأتي هذه الاستعانة بخبرات كييف نظراً لتجربتها الطويلة في التعامل مع الطائرات المسيرة إيرانية الصنع التي استخدمتها روسيا بكثافة خلال الحرب الأوكرانية.
انعكست الحرب بظلال ثقيلة على القضية الفلسطينية، حيث استغل المستوطنون الانشغال الإقليمي لتصعيد اعتداءاتهم في الضفة الغربية، مما أدى لمقتل 6 فلسطينيين ونزوح المئات. كما تعثرت مشاريع السلام والمفاوضات المتعلقة بقطاع غزة، حيث باتت الأولوية الدولية منصبة على منع تحول المواجهة مع إيران إلى حرب إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة عليها.
دولياً، برز انقسام حاد في مجلس الأمن، حيث رفضت القوى الأوروبية المشاركة في العمل العسكري محذرة من نتائجه الكارثية على الأمن والسلم العالمي. وترى عواصم أوروبية أن الحرب تهدد بتدمير سلاسل التوريد العالمية ورفع معدلات التضخم والبطالة في الدول التي تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية خانقة ومديونية عالية.
تهدف الاستراتيجية الأمريكية أيضاً إلى إحكام الحصار التجاري على الصين، التي تعتمد بشكل شبه كلي على النفط الإيراني لتأمين احتياجاتها الطاقية. ومن خلال السيطرة على منابع النفط في إيران، تسعى واشنطن لتقويض القوة الاقتصادية الصينية وفرض هيمنة القطب الواحد على النظام المالي العالمي من جديد.
داخل الولايات المتحدة، يواجه الرئيس ترامب معارضة متنامية في الكونغرس وبين أوساط الشعب الأمريكي، حيث أظهرت الاستطلاعات أن 53% يعارضون هذا التدخل العسكري. وتتصاعد الانتقادات لترامب بسبب تجاوزه صلاحياته الدستورية بشن حرب واسعة دون تفويض رسمي، مما ينذر بأزمة سياسية داخلية قد تتفاقم مع تزايد الخسائر البشرية.
المخطط الصهيوني، كما يراه محللون، يهدف من خلال هذه الحرب إلى الوصول لمرحلة 'إسرائيل الكبرى' عبر إزالة العوائق العسكرية التي تمثلها إيران وحلفاؤها. ويسعى نتنياهو من خلال ضرب 'رأس الأفعى' كما يصفها، إلى فتح الطريق أمام توسيع دائرة التطبيع مع دول المنطقة وضمان التفوق النوعي العسكري الإسرائيلي لعقود قادمة.
تؤكد مصادر مطلعة أن الحرب الحالية قد ترسم خريطة جديدة للعالم تتجاوز حدود الشرق الأوسط، حيث تعيد صياغة التحالفات الدولية بين القوى العظمى. ومع استمرار القصف المتبادل، يبدو أن خيار العودة إلى طاولة المفاوضات بات بعيد المنال في ظل إصرار الطرفين على تحقيق أهداف استراتيجية لا تقبل القسمة على اثنين.
يبقى السؤال قائماً حول قدرة المجتمع الدولي على لجم هذا التصعيد قبل انزلاقه إلى مواجهة نووية أو حرب استنزاف طويلة الأمد تستنزف ثروات المنطقة. إن إيران ما بعد اغتيال قادتها لن تكون كما قبلها، ومبايعة المرشد الجديد تشير إلى أن طهران اختارت طريق المواجهة المفتوحة بدلاً من الاستسلام للضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
المصدر:
القدس