يخيم شبح المجاعة مجدداً على أرجاء قطاع غزة، مدفوعاً بنقص حاد في إمدادات الغذاء ومصادر الطاقة الأساسية، وذلك نتيجة القيود المشددة التي تفرضها سلطات الاحتلال على المعابر التجارية. هذا الواقع المرير أجبر غالبية السكان على الارتهان للمساعدات الإنسانية المحدودة وبنوك الطعام التي تحاول سد رمق العائلات التي فقدت مصادر رزقها بفعل الحرب المستمرة.
وتتضاعف معاناة المواطنين في القطاع مع حلول شهر رمضان المبارك، حيث غابت المظاهر التقليدية للموائد الغزيرة، واستُبدلت بوجبات شحيحة تفتقر لأدنى المقومات الغذائية. وبينما كان الشهر يمثل فرصة للاجتماع على أصناف متنوعة، باتت العائلات اليوم تكافح لتوفير صنف واحد فقط لإفطار الصائمين في ظل ظروف اقتصادية قاهرة.
وشهدت الأسواق المحلية خلال الأيام القليلة الماضية اختفاءً شبه كامل للأصناف الرئيسية، وفي مقدمتها الدواجن ومشتقات البروتين الحيواني، مما أحدث فجوة غذائية كبيرة. وترافق هذا النقص مع قفزات غير مسبوقة في أسعار الخضار والفواكه، ما وضع أعباءً إضافية على كاهل نحو مليوني نازح يفتقرون للقدرة الشرائية.
في مراكز النزوح غرب مدينة غزة، تبرز قصص المعاناة اليومية، حيث تضطر عائلات بأكملها للاكتفاء بوجبات بسيطة مكونة من البقوليات والخبز فقط. وأفادت مصادر محلية بأن الكثير من الأسر لم تعد قادرة على إعداد الطعام داخل خيامها، وباتت تعتمد كلياً على ما تقدمه 'التكيات' والمطابخ الخيرية التي تعمل بجهود تطوعية محدودة.
وتشير شهادات النازحين إلى أن الارتفاع الجنوني في الأسعار طال حتى السلع المبردة والمجمدة، خاصة بعد موجة التصعيد الأخيرة وإغلاق المعابر في نهاية الشهر الماضي. ورغم إعادة فتح المعابر بشكل تدريجي، إلا أن كميات البضائع الداخلة لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات السوق المتعطش لكل أنواع الإمدادات.
وإلى جانب الفقر المدقع، يبرز نقص غاز الطهي كعائق إضافي يمنع العائلات من إعداد وجباتها، مما يعمق من حالة العجز المالي واللوجستي. وتؤكد مصادر ميدانية أن عشرات العائلات في مناطق شمال وغرب غزة تعيش حالة من الاعتماد الكامل على الوجبات الجاهزة التي توزعها المؤسسات الإغاثية بسبب غياب الوقود اللازم للطبخ.
من جانبه، أوضح المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما تشهده الأسواق هو نتيجة 'تشوه اقتصادي عميق' ناتج عن شهور من الحصار والضغط العسكري. وأشار إلى أن السوق في غزة فقد توازنه الطبيعي، وأصبح يتأثر بشكل لحظي وحاد بأي أنباء تتعلق بإغلاق المعابر أو تدهور الأوضاع السياسية والأمنية.
وذكرت التحليلات الاقتصادية أن الفجوة بين العرض والطلب وصلت لمستويات خطيرة، حيث تدخل حالياً نحو 250 شاحنة يومياً فقط، بينما يحتاج القطاع فعلياً لألف شاحنة. هذا النقص الحاد يخلق حالة من 'العطش السلعي' الدائم، مما يجعل أي زيادة طفيفة في الطلب تؤدي فوراً إلى انفجار في الأسعار وصعوبة في الحصول على السلع.
ولا تقتصر الأزمة على الكميات فقط، بل تمتد لنوعية البضائع المسموح بدخولها، إذ إن جزءاً كبيراً منها لا يصنف ضمن الاحتياجات الأساسية العاجلة للسكان. وتفيد التقارير بأن الشاحنات التي تحمل مواد غذائية ضرورية لا تتجاوز 10% من الحاجة الفعلية، مما يجعل الهيكل الاقتصادي هشاً وقابلاً للانهيار أمام أي هزات جديدة.
ويلعب العامل النفسي دوراً محورياً في تفاقم الأزمة، حيث يدفع الخوف من الجوع المستهلكين إلى محاولة تخزين ما يتوفر من سلع عند سماع أي أخبار عن تصعيد محتمل. هذا السلوك الشرائي القائم على القلق يضغط بشكل مضاعف على الأسعار المرتفعة أصلاً، ويحرم الفئات الأكثر فقراً من الوصول إلى احتياجاتها الأساسية.
المصدر:
القدس