آخر الأخبار

المنصف المرزوقي: نحو حلف إسلامي لمواجهة إسرائيل

شارك

قدم الرئيس التونسي الأسبق الدكتور منصف المرزوقي قراءة استراتيجية معمقة للمشهد الإقليمي، متسائلاً عن إمكانية استعادة الإسلام لدوره كقوة توحيدية قادرة على ردع المشاريع التوسعية. ويرى المرزوقي أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة تهدف لبناء تحالفات دولية جديدة تشمل الهند واليونان وقبرص، في محاولة لاستباق ولادة أي حلف إسلامي قد يهدد أمنها الاستراتيجي.

وأشار المرزوقي إلى أن الاستقبال الحافل الذي حظي به رئيس الوزراء الهندي 'مودي' في إسرائيل لم يكن صدفة، بل يعكس إدراك الاحتلال لضعفه الديموغرافي. فدولة لا يتجاوز عدد سكانها سبعة ملايين نسمة لا يمكنها الاستمرار في تحدي مئات الملايين من المسلمين دون حلفاء دوليين جدد، خاصة مع تراجع الثقة في الدعم الأوروبي والأمريكي التقليدي.

وحذر الرئيس الأسبق من ملامح 'الشرق الأوسط الجديد' الذي تسعى إسرائيل لفرضه، والذي يقوم على الدفن النهائي للقضية الفلسطينية عبر سياسات الإبادة والتهجير والاستيطان. هذا المشروع يهدف أيضاً إلى تفتيت دول محورية مثل لبنان وسوريا والعراق والسودان، مع فرض هيمنة عسكرية مطلقة تضع شعوب المنطقة تحت وصاية السلاح النووي الإسرائيلي.

واعتبر المرزوقي أن إسرائيل تعيش حالة من القلق الوجودي رغم ما تصفه بانتصاراتها، حيث تخشى وصول الشعوب العربية والإسلامية إلى مستوى من الوعي والقوة يفاجئها كما حدث في السابع من أكتوبر. ولذلك، تعتمد سياسات 'الحروب الوقائية' لمنع دول مثل تركيا والسعودية ومصر من امتلاك أي أدوات لتعديل ميزان القوى العسكري في المنطقة.

وفيما يخص الحلول السياسية، أكد المرزوقي أن حل الدولتين بات مستحيلاً في ظل الواقع الاستيطاني الحالي في الضفة الغربية، وأن من يحلم به لا يجيد قراءة الخرائط. كما اعتبر أن 'حل مانديلا' المتمثل في دولة ديمقراطية ثنائية القومية يظل حلماً بعيد المنال في الوقت الراهن، مما يترك المنطقة أمام صراع مفتوح لا يمكن التنبؤ بنهايته.

وشدد المقال على خطورة الأيديولوجيا الإسرائيلية المسكونة بعقد تاريخية مثل 'عقدة شمشون' و'مسعادا'، وهي العقد التي تجعل الاحتلال مستعداً لتدمير المنطقة بأكملها لضمان بقائه. وأوضح المرزوقي أن هذا الخطر يستهدف دولاً إسلامية غير عربية أيضاً، حيث يتم التحريض المستمر ضد تركيا وباكستان لمنع أي دور إقليمي فاعل لهما.

ودعا المرزوقي صراحة إلى بناء حلف إسلامي تكون نواته تركيا وباكستان وقطر والسعودية ومصر، معتبراً أن هذا التكتل هو الوحيد القادر على ردع 'العربدة الإسرائيلية'. ويرى أن مثل هذا الحلف سيلغي الابتزاز النووي الإسرائيلي، وسيدفع الإدارة الأمريكية لإعادة النظر في دعمها غير المشروط لدولة تجرها إلى صراعات تضر بالمصالح الأمريكية.

لا خيار لنا غير التفكير من خارج الصندوق والبحث عن استراتيجيات جديدة، من بينها كيف نفعّل هاته القوة الهائلة التي اسمها الإسلام لكي نعود فاعلين على ساحة العالم.

وحول الموقف من إيران، دعا المرزوقي إلى التمييز بين النظام الاستبدادي التوسعي وبين الشعب الإيراني المسلم الذي يتعرض لتهديدات التدمير من قبل تحالف 'نتنياهو-ترمب'. وأكد على ضرورة التضامن مع الشعوب المظلومة في الخليج وغزة ولبنان والسودان، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة للأنظمة الحاكمة التي قد تختلف في توجهاتها.

وأوضح المرزوقي أن الدعوة لتحالف إسلامي لا تقوم على العاطفة الدينية فحسب، بل على المصالح الاستراتيجية المشتركة لمواجهة مشروع 'تركيع الأمتين'. وأشار إلى وجود بوادر وتحركات من بعض القادة في هذا الاتجاه، تفرضها خطورة الوضع الراهن الذي يتطلب تجنيد خيرة رجالات السياسة والفكر والإعلام لإنجاح هذا التوجه.

وطالب بضرورة التوجه للرأي العام العالمي، وخاصة في الهند والولايات المتحدة، لتوضيح أن مصلحتهم لا تكمن في استعداء مليار ونصف مليار مسلم من أجل 'دولة عنصرية'. وأكد أن العالم الإسلامي في سباق مع الزمن لبناء تحالفاته الخاصة قبل أن تكتمل التحالفات المعادية التي قد تحول كل مدينة إسلامية إلى 'غزة' جديدة.

واستحضر المقال نماذج تاريخية من القرن الحادي عشر والثالث عشر، حين توحدت الأمة لمواجهة الهجمات الصليبية والمغولية، معتبراً أن اللحظة الراهنة تتطلب تجديد هذا العقد. وأكد أن الاستنجاد بالإسلام كعنصر توحيد سياسي ليس عودة لصراع الحضارات، بل هو ضرورة وجودية لمواجهة عدو شرس يستهدف الجميع دون استثناء.

وفي توضيح لموقفه الفكري، أكد المرزوقي أنه لم يتخلَّ عن قناعاته العلمانية أو الديمقراطية، مشدداً على أن الأنظمة الداخلية يجب أن تقوم على المواطنة والديمقراطية الاجتماعية. ويرى أن بناء هذه الأنظمة يتطلب تعاون الديمقراطيين سواء كانت مرجعياتهم علمانية أو إسلامية، طالما أن الهدف هو السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية.

واختتم المرزوقي مقاله بالتأكيد على أن تفعيل 'القوة الهائلة' للإسلام هو السبيل الوحيد للخروج من حالة 'المفعول به' إلى دور 'الفاعل' في التاريخ العالمي. واعتبر أن التفكير من خارج الصندوق هو ما سيسمح للأمة بمواجهة التحديات الضخمة المفروضة عليها من الخارج، بعيداً عن القوالب التقليدية التي أثبتت فشلها في حماية الأمن القومي.

إن الرؤية التي طرحها الرئيس الأسبق تعكس قلقاً عميقاً من مآلات الصراع الحالي، وتضع النخب العربية والإسلامية أمام مسؤولياتها التاريخية في صياغة استراتيجيات دفاعية جماعية. فالمشروع الصهيوني، بحسب المقال، لا يستهدف فلسطين وحدها، بل يسعى لإعادة صياغة المنطقة بأكملها بما يضمن تبعيتها المطلقة وتجريدها من عناصر قوتها المادية والمعنوية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا