آخر الأخبار

موقف دول الخليج من الحرب ضد إيران: بين الردع وضبط النفس

شارك

تواجه دول مجلس التعاون الخليجي الست اختباراً هو الأصعب منذ عقود، حيث تجد نفسها في مرمى النيران المباشرة للصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ورغم محاولات التنسيق المشترك، إلا أن التباينات في السياسات الخارجية والمخاوف من تبعات الانخراط العسكري لا تزال تعيق الوصول إلى موقف موحد تجاه الهجمات التي تستهدف أراضيها.

منذ انطلاق الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، دخلت المنطقة في دوامة من العنف غير المسبوق، حيث أطلقت طهران أكثر من ألفي صاروخ وطائرة مسيرة باتجاه دول الخليج. هذا التصعيد وضع العواصم الخليجية أمام واقع مؤلم، حيث لم يعد الصراع بعيداً عن حدودها، بل بات يهدد البنية التحتية الحيوية ومصادر الطاقة العالمية.

وتشير البيانات الميدانية إلى أن الألم لم يوزع بالتساوي بين دول المنطقة، إذ تركزت أكثر من نصف الهجمات الإيرانية على دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي تطور خطير، استهدفت الطائرات المسيرة مصفاة النفط الوحيدة في مملكة البحرين في التاسع من مارس، مما أدى لإصابة العشرات ودفع شركة النفط الحكومية لإعلان حالة 'القوة القاهرة' في عقودها.

وفي الكويت، أفادت مصادر بأن الدفاع الجوي تمكن من اعتراض ثلاثة صواريخ باليستية وطائرات مسيرة كانت تستهدف مطار الكويت الدولي. ورغم نجاح الاعتراض، إلا أن شظايا الصواريخ تسببت في حرائق محدودة بمحطة الصبية للقوى الكهربائية وانفجار خزانات وقود، مما أدى لتعليق مؤقت للملاحة الجوية قبل عودتها تدريجياً.

أما في المملكة العربية السعودية، فقد دمرت القوات الدفاعية مسيرة في منطقة الربع الخالي كانت في طريقها لاستهداف حقل شيبة النفطي. وأكدت مصادر رسمية تسجيل أول حالتي وفاة في المملكة نتيجة سقوط شظايا الصواريخ الاعتراضية، مما يزيد من الضغوط الشعبية والسياسية لاتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه التهديدات الإيرانية المستمرة.

وتسود حالة من الشلل في اتخاذ القرار داخل أروقة مجلس التعاون، حيث ينقسم المسؤولون بين تيار يحث على ضبط النفس لتجنب حرب شاملة، وتيار يطالب بردع إيران عسكرياً. هذا الانقسام يعود في جوهره إلى فقدان الثقة في الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة دونالد ترامب، الذي يواجه تراجعاً في شعبيته ومعارضة داخلية واسعة لاستمرار الحرب.

وتتذكر العواصم الخليجية بمرارة تقاعس واشنطن عن الرد بعد الهجمات التي استهدفت منشآت النفط السعودية في عام 2019، وهو ما يعزز الشكوك حول جدية الالتزامات الأمنية الأمريكية. ويخشى القادة الخليجيون أن تنجح واشنطن في جرهم إلى صراع مدمر، ثم تنسحب منه فجأة لتتركهم في مواجهة مباشرة مع جار إيراني جريح ومتحفز.

إنها لعبة قذرة؛ إسرائيل تحاول فرض أمر واقع بتسريب تقارير عن عمل عسكري مزعوم لدول مجلس التعاون الخليجي.

وفي سياق متصل، برزت محاولات إسرائيلية لجر دول المنطقة إلى الصراع عبر تسريبات إعلامية زعمت مشاركة طائرات إماراتية وقطرية في ضرب أهداف داخل إيران. وقد سارعت أبوظبي والدوحة لنفي هذه الأنباء جملة وتفصيلاً، حيث وصف مسؤولون خليجيون هذه التسريبات بأنها 'لعبة قذرة' تهدف لفرض أمر واقع وإحراج الدول العربية أمام شعوبها.

وتثير هذه التسريبات الإسرائيلية غضباً مكتوماً في أبوظبي، التي سعت منذ توقيع الاتفاقيات الدبلوماسية عام 2020 لبناء شراكة وثيقة صمدت حتى خلال الحرب على غزة. ويرى مراقبون أن تسريب معلومات قد تكون سرية أو كاذبة يمثل طعنة في ظهر التفاهمات الأمنية، وقد يرقى في بعض الأحيان إلى مستوى التحريض على جرائم حرب.

وعلى الصعيد الداخلي، لا يمكن لحكام الخليج تجاهل الرأي العام الذي يبدي حساسية مفرطة تجاه الانخراط في حرب إقليمية. ففي البحرين، تثير الهجمات الإيرانية مخاوف من اندلاع اضطرابات اجتماعية جديدة، خاصة مع وجود مظالم قديمة لدى بعض الفئات، حيث رصدت مقاطع فيديو أصواتاً تهتف تأييداً للهجمات أثناء وقوعها.

وفي الإمارات، يبرز تباين في الرؤى بين العاصمة السياسية أبوظبي، التي تميل لتبني سياسة خارجية حازمة تجاه التهديدات الإيرانية، وبين دبي التي تمثل المركز التجاري وتفضل الحياد التام. وقد عبر رجال أعمال بارزون عن قلقهم من أن تؤدي الحرب إلى تدمير النموذج الاقتصادي القائم على الاستقرار وجذب الاستثمارات العالمية.

ويرى دعاة ضبط النفس أن الانضمام للتحالف العسكري الأمريكي يمثل مخاطرة غير مقبولة، خاصة مع رئيس لا يؤمن بالتعددية الدولية. وفي المقابل، يرى التيار المتشدد أن الرسائل التصالحية التي يرسلها الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان لم تمنع الصواريخ من السقوط على المدن الخليجية، مما يجعل خيار الردع ضرورة لا مفر منها.

ويبقى القلق الأكبر متعلقاً بمرحلة ما بعد الحرب؛ فبافتراض بقاء النظام الإيراني، فإنه سيواجه عقوبات قاسية وخسائر اقتصادية بمليارات الدولارات. ويخشى المسؤولون في الخليج أن تلجأ طهران لابتزاز دول الجوار عبر هجمات متقطعة بالمسيرات أو مضايقة السفن في الممرات المائية الحيوية لتعويض خسائرها أو لتخفيف الضغط عنها.

في نهاية المطاف، يبدو أن كفة دعاة ضبط النفس هي الأرجح حتى الآن في أروقة الحكم الخليجية، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة. ومع ذلك، فإن وقوع هجوم إيراني كبير يتسبب في خسائر بشرية واسعة قد يقلب الموازين تماماً، ويدفع المنطقة نحو مواجهة شاملة لا يرغب فيها أحد ولكن الجميع يستعد لها.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا