تخيم الحرب الواسعة التي يشنها التحالف الأمريكي الإسرائيلي على إيران بظلال قاتمة على قطاع غزة، رغم حالة الهدوء النسبي التي كانت تسود القطاع مؤخراً. وأعلنت حكومة الاحتلال إغلاق كافة معابر القطاع المحاصر بشكل كامل، بما في ذلك معبر رفح البري، مما أثار مخاوف من استغلال تل أبيب للانفجار الإقليمي كذريعة لمواصلة التضييق على أكثر من مليوني فلسطيني.
ويرى مراقبون أن قطاع غزة بات اليوم رهينة لتوازنات القوى الجديدة في المنطقة، حيث يخشى الشارع الفلسطيني من تهرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من التزامات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. وتأتي هذه التطورات في وقت لم يتعافَ فيه القطاع بعد من تبعات حرب مدمرة استمرت لأكثر من عامين وأنهكت كافة مقومات الحياة.
من جانبه، أكد الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن غزة ليست ساحة معزولة بل هي جزء أصيل من شبكة التوازنات الإقليمية المتفجرة. وأوضح عفيفة أن التصعيد المباشر بمشاركة أمريكية يعيد ترتيب الأولويات الدولية، مما قد يؤدي إلى إبطاء تنفيذ بنود الانسحاب من غزة أو إعادة التفاوض عليها تحت مبرر الظروف الأمنية الطارئة في الإقليم.
وأشار عفيفة إلى أن نتنياهو قد يجد في المواجهة الإقليمية فرصة ذهبية لتأجيل استحقاقات إعادة الإعمار والانسحاب العسكري من المناطق التي سيطر عليها جيش الاحتلال. وفي المقابل، تجد حركة حماس نفسها أمام واقع جديد يتطلب الموازنة بين الحفاظ على موقعها في محور المقاومة وبين ضرورة تثبيت وقف النار لحماية الجبهة الداخلية المنهكة.
ميدانياً، يأتي هذا الانفجار الكبير بعد جولات تصعيد سابقة، كان أبرزها هجوم طهران الصاروخي في أكتوبر 2024 رداً على اغتيال إسماعيل هنية. وقد طالت تلك الصواريخ حينها مواقع تمركز جيش الاحتلال في محور نتساريم بقلب قطاع غزة، مما عكس الترابط الميداني الوثيق بين الساحات المختلفة منذ بداية العدوان.
وفي يونيو 2025، شهدت المنطقة موجة تصعيد أخرى استمرت 12 يوماً، استهدفت خلالها إسرائيل منشآت نووية وعسكرية داخل العمق الإيراني. تلك الجولة تزامنت مع ذروة سياسة التجويع المتعمد التي مارسها الاحتلال ضد سكان غزة عبر إغلاق المعابر، وهو السيناريو الذي يتكرر اليوم بصورة أكثر خطورة وشمولية.
الباحث في الشأن الأمني رامي أبو زبيدة يرى أن دخول الولايات المتحدة مباشرة في الحرب يعني انتقال مركز الثقل الاستراتيجي من غزة إلى ساحة المواجهة مع إيران. هذا التحول سيؤدي بالضرورة إلى حالة من الجمود شبه الكامل في الحراك السياسي المتعلق بالتهدئة، مما يضع المرحلة الثانية من الاتفاق في حالة شلل سريري.
وعلى الصعيد الإنساني، تظهر الأرقام فداحة الوضع، حيث استشهد 629 فلسطينياً منذ بدء سريان وقف إطلاق النار المفترض في أكتوبر الماضي. وبذلك يرتفع إجمالي ضحايا العدوان منذ عام 2023 إلى أكثر من 72 ألف شهيد، في ظل تدمير طال 90% من البنية التحتية المدنية وسيطرة الاحتلال على أكثر من نصف مساحة القطاع.
اقتصادياً، أوضح الباحث أحمد أبو قمر أن الارتباط العضوي بين الاقتصاد الفلسطيني والإسرائيلي يجعل غزة تتأثر فوراً بأي خلل في سلاسل الإمداد. وأكد أن إغلاق معبر رفح يحرم السكان من المنفذ الوحيد لتنويع مصادر البضائع، مما يضاعف الاعتماد على معبر كرم أبو سالم الذي يتحكم فيه الاحتلال بشكل مطلق.
ونبه أبو قمر إلى أن القدرة التخزينية للقطاع تآكلت تماماً بعد تدمير المستودعات الكبرى خلال شهور الحرب الماضية، مما جعل الأسواق شديدة الحساسية لأي إغلاق ولو ليوم واحد. هذا الواقع خلق حالة من التشوه السعري واضطراباً حاداً في توفر المواد الأساسية، مما يهدد بانفجار أزمة معيشية غير مسبوقة.
وفي سياق متصل، أكدت مصادر ميدانية وقوع انفجارات ضخمة في محيط مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية بطهران، وسط أنباء عن مقتل مئات الأشخاص بينهم مسؤولون رفيعو المستوى. ورغم هذه الضربات، أعلنت الهيئة الإيرانية استمرار بثها، في حين ادعى جيش الاحتلال أن المقر كان يستخدم كغطاء لعمليات عسكرية.
الجانب الأمريكي لم يكن بمنأى عن الخسائر، حيث أعلن عن مقتل 6 جنود أمريكيين وإصابة 18 آخرين بجروح خطيرة منذ بدء العمليات العسكرية ضد إيران يوم السبت الماضي. كما سقطت ثلاث مقاتلات من طراز F-15E فوق الأجواء الكويتية، فيما وصفته مصادر عسكرية بأنه قد يكون ناتجاً عن نيران صديقة خلال حالة الاستنفار القصوى.
وختاماً، شدد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث على أن الهدف من هذه العمليات هو تدمير البنية التحتية الأمنية والصاروخية لإيران وليس بناء الدول. هذا التصريح يعزز المخاوف الفلسطينية من أن المنطقة مقبلة على موجة تدمير واسعة لن تنجو منها غزة، التي تظل الحلقة الأضعف في صراع القوى الكبرى والإقليمية.
المصدر:
القدس