متابعة الحدث
نشر موقع "إي يو أوبزرفر" (EU Observer) تقريراً حذر فيه من أن الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران قد أعادت فتح (أخطر ملف لأمن الطاقة في الاقتصاد العالمي)، وذلك عقب القصف الذي أدى إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي. ونقل الموقع عن مركز الأبحاث الأوروبي "بروغل" (Bruegel) أن المخاطر لا تتعلق فقط بإنتاج إيران النفطي، الذي يمثل نحو 5 في المئة من الإمدادات العالمية، بل تتجاوز ذلك إلى أهمية مضيق هرمز كممر استراتيجي للطاقة. فبحسب بيانات شركة تتبع الناقلات "فورتيكسا"، يمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، أي ما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي.
وتبرز أهمية المضيق بالنسبة لأوروبا بشكل خاص؛ إذ تمر عبره جميع صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات، بما يعادل نحو 20 في المئة من تجارة الغاز المسال عالمياً، عبر ممر لا يتجاوز عرضه 39 كيلومتراً في أضيق نقطة.
وأشار التقرير إلى أن الحرس الثوري الإيراني، المنتشر على السواحل المطلة على المضيق، يمتلك ترسانة واسعة من الصواريخ والطائرات المسيَّرة، استخدم بعضها بالفعل في ضرب أهداف في دبي والبحرين وقواعد أميركية في المنطقة، إضافة إلى ثلاث سفن شحن بحسب تقارير. كما أظهرت صور أقمار صناعية أن شحنات النفط والغاز تراجعت إلى ما يقارب التوقف الكامل منذ بدء الضربات.
قفزة في أسعار الغاز وتراجع المخزونات
سجلت أسواق الطاقة، الاثنين، ارتفاعات ملحوظة من دون أن تصل إلى مستوى الصدمة الشاملة. فقد ارتفعت أسعار النفط بنحو 8 في المئة مقارنة بمستويات ما قبل الضربات، فيما قفزت أسعار الغاز الأوروبية بنحو 40 في المئة، خصوصاً بعد إعلان قطر وقف إنتاجها من الغاز المسال.
وكتب الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، بول كروغمان، أن الأسواق تراهن حتى الآن على حرب قصيرة وغير شديدة الاضطراب، لكنه حذر من أن هذا التقدير قد يتغير إذا طال أمد الصراع أو استمر تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
وأوضح التقرير أن استمرار إغلاق المضيق سيؤدي إلى استنزاف المخزونات العالمية وتشديد أسواق النفط والغاز، كما سيزيد اعتماد أوروبا على الغاز الأميركي المسال؛ إذ ارتفعت نسبة اعتمادها على واردات الطاقة الأميركية من 58 في المئة عام 2024 إلى 65 في المئة عام 2025، وفقاً لتحليلات متخصصة.
ورغم أن أوروبا أقل اعتماداً على نفط وغاز الخليج مقارنة بالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، فإن مكمن ضعفها الرئيسي يكمن في الغاز الطبيعي المسال. وفي حال استمرار تعطيل تدفقه عبر المضيق، ستجد القارة نفسها مضطرة للتنافس مع المشترين الآسيويين في السوق الفورية، كما حدث خلال أزمة الطاقة بين عامي 2021 و2023، ما يرجح ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية.
كما تدخل أوروبا هذه الأزمة بمخزونات غاز أقل من السنوات السابقة؛ إذ بلغت 46 مليار متر مكعب نهاية فبراير 2026، مقارنة بـ60 مليار متر مكعب عام 2025 و77 مليار متر مكعب عام 2024، ما قد يعقد إعادة ملء المخزونات قبل الشتاء المقبل ويزيد الضغط على كلفة الطاقة الصناعية.
مقارنة مع 1979… لكن في سياق مختلف يستحضر الوضع الراهن مقارنات مع أزمة الثورة الإيرانية عام 1979، حين تعطلت صادرات النفط بشكل حاد. غير أن الاقتصاد العالمي اليوم أقل اعتماداً على النفط مقارنة بما كان عليه قبل خمسة عقود، كما أن معدلات التضخم أدنى بكثير، ما قد يحد من أثر صدمة الإمدادات.
فقد انخفضت "كثافة النفط في الناتج المحلي الإجمالي" بأكثر من 70 في المئة منذ سبعينيات القرن الماضي، ما يعني أن الاقتصادات الحديثة تحتاج إلى كميات أقل من النفط لتحقيق المستوى نفسه من الإنتاج.
لكن في المقابل، أصبح النظام المالي العالمي أكثر تعقيداً وأعلى من حيث مستويات الرفع المالي، كما تلعب منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما دبي، دوراً أكبر بكثير في التدفقات المالية الدولية. وأي اضطراب في هذا الدور سيشكل خطراً إضافياً على الاستقرار الاقتصادي العالمي.
تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة
خلص التقرير إلى أن تعرض أوروبا المتكرر للصدمات الجيوسياسية يرتبط باستمرار اعتمادها على الوقود الأحفوري المستورد، وأن استبدال مصادر الشرق الأوسط بمصادر أخرى لا يحل جذور المشكلة.
ودعا خبراء إلى تسريع نشر الطاقة النظيفة المنتجة محلياً، معتبرين أن تقليص الاعتماد الهيكلي على واردات النفط والغاز هو السبيل الأكثر استدامة لحماية الاقتصاد الأوروبي من صدمات خارجية متكررة.
وحذر أكاديميون من أن أوروبا لم تستوعب بالكامل دروس أزمة الطاقة عام 2022، رغم إنفاقها نحو 800 مليار يورو على دعم الطاقة آنذاك؛ إذ لا يزال الاعتماد على النفط والغاز مرتفعاً، فيما لم تتوسع البدائل النظيفة بالسرعة الكافية. وختم التقرير بالتأكيد أن الأزمة الحالية تمثل جرس إنذار جديداً لأوروبا، قد يعيد رسم ملامح أمنها الطاقي في السنوات المقبلة.
المصدر:
الحدث