د. أحمد صبح: ليلى شهيد حملت السردية الفلسطينية إلى العالم واختزلت في مسيرتها تاريخنا المعاصر فكانت مناضلة عنيدة ومثقفة تجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية
أحمد داري: كانت ليلى تحرص على الحضور إلى باريس للبحث عن الفنانين الفلسطينيين حاملةً معها ملفات وفرص مشاركة في مهرجانات ذات بعد إنساني وثقافي
مزنة الشهابي: التجربة حين تُقال من داخلها تصبح أبلغ من أي بيان فكانت تنقل السياسة من التجريد للجسد ومن المفهوم للألم الملموس حاملةً فلسطين كما يحمل المرء ظلّه
رانية إلياس: خسارتها ليست عابرة بل موجعة لكل فلسطيني وفلسطينية فقد حملت القضية في قلبها وعقلها ومثّلتها في أرفع المحافل بكل ما أوتيت من حضور ووعي وثقافة
خاص بـ القدس-
ليلى شهيد دبلوماسية ومناضلة بارزة، عُرفت بوصفها من أبرز وجوه فلسطين في أوروبا، إذ مثّلت منظمة التحرير ودولة فلسطين في عدد من العواصم الأوروبية، وتولت مناصب دبلوماسية رفيعة. نشطت في سن مبكرة في الحياة الاجتماعية والسياسية داخل المخيمات في لبنان، قبل أن تنشط في أوروبا وتنخرط في العمل الدبلوماسي، حتى صارت مفوضة فلسطين العامة لدى الاتحاد الأوروبي. وقد توفيت يوم الأربعاء 18 شباط 2026 عن عمر ناهز 76 عاماً في منزلها بجنوب فرنسا، بعد معاناة طويلة مع المرض. وُلدت ليلى شهيد عام 1949 في العاصمة اللبنانية بيروت، بعد عام من نكبة 1948، في عائلة لها جذور بارزة في العمل العام والنضال الوطني، فقد شغل جدها فيضي العلي منصب رئيس بلدية القدس بين عامي 1904 و1909، بينما كان خال والدتها موسى العلمي معروفاً بنضاله ضد السياسة البريطانية، وقد شكل قدوة لها في شبابها. كانت عائلتها ذات الأصول المقدسية قد أُجبرت على مغادرة فلسطين في فترة الانتداب البريطاني (1920-1948) نتيجة مشاركتها في "أنشطة قومية". في هذا التقرير التقت "ے" شخصيات سياسية وثقافية وفنية وكتّاباً، تحدثوا عن ليلى شهيد، من خلال تجارب خاصة جمعتهم بها، مشيرين إلى أنها لم تكن فقط دبلوماسية ناجحة، وإنما كانت أيضاً ضميراً حيّاً وصوتاً نقيّاً، حملت قضية فلسطين ومثّلتها أفضل تمثيل في أرفع المحافل الدولية.
تبقى مسيرتها نبراساً ومثلاً يقتدى به
يقول السفير د. أحمد صبح، رئيس مجلس إدارة مؤسسة ياسر عرفات: "عرفتها وعملنا معاً وتبقى مسيرتها نبراساً ومثلاً يقتدى به. تمكنت مبكراً من ناصية اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وكانتا وسيلتها لإيصال رسالتها وشخصيتها منذ البداية، وانتقلت من حياة عائلية آمنة وميسورة إلى واقع شعبنا الفلسطيني بلجوئه ونكبته ونضاله وسرديته".
ويضيف صبح: "كان لدراستها الإنثروبولوجيا (علم الإنسان) تأثير مباشر على طريقتها وحياتها المستقبلية، فمن المدرسة البروتستانية الفرنسية في بيروت وتزامن امتحان شهادة البكالوريا مع عدوان 1967، واستكمال دراستها في الجامعة الأمريكية في سنوات المد الثوري الفلسطيني (1968-1971)، والتحاقها بحركة فتح عام 1968 وإسهامها وهي طالبة جامعية بتحرير النسخة الفرنسية مع نشرة فتح، إلى مرافقتها لوفود اعلامية تزور لبنان".
أولاً: البيئة الأسرية المثقفة الوطنية، فوالدها الطبيب منيب جلال شهيد أبن عكا وخريج الجامعة الامريكية في بيروت ووالدتها المقدسية سيرين جمال الحسيني، التي تخرجت من نفس الجامعة، مما وفر لليلى أجواءً وطنية منفتحة واستمرت وتخرجت بشهادة الماجستير من نفس الجامعة بأطروحة حول أوضاع المخيمات الفلسطينية في لبنان.
ثانياً: تفتح أفق ليلى الوطني على واقع النكبة ونتائجها من خلال المخيمات ولاحقاً ومن باريس رافقت الكاتب والشاعر الفرنسي الشهير جان جنيه إلى المخيمات وكتب بمساعدة ليلى"أربع ساعات في شاتيلا" ، ليعرض بشكل واقعي دراماتيكي مأساة اللجوء... وبقيت ليلى طيلة حياتها متأثرة بالمخيم الفلسطيني بكل أبعاده.
رابعاً: الاهتمام الكبير لليلى شهيد بالثقافة والأدب كمفتاح فلسطيني لأبواب أوروبا المغلقة بوجه حقوقنا، وكان لها حضور طاغٍ في مواجهة الرواية الصهيونية، فأقامت معارض فنية، وأسابيع ثقافية، وجعلت من معهد العالم العربي في باريس ساحة فلسطينية ومنبراً لسرديتنا الوطنية. وكانت علاقتها بمحمود درويش وثيقة وأمَنت له أجواء لابداعه الباريسي وعلاقته بمرسيل خليفة وما نتج عن ذلك من إبداع وعطاء.
خامساً: تعاطت ليلى مع مهمتها الدبلوماسية منذ 1989 في دبلن/إيرلندا وحتى تقاعدها الطوعي من بروكسل نهاية عام 2014، كمهمة نضالية تمثل قضية وطن ولم تكن بالنسبة لها وظيفة، وكانت تسير على النهج الفتحاوي (الفدائي أول من يضحي وآخر من يستمتع)، وبالتالي لم تكن تقليدية روتينية، بل تعاطت مع مهمتها بدفء وصدق. نسجت علاقات إنسانية مميزة مع كل الطيف السياسي الأوروبي الذي رأى فيها صدق قضية شعبنا وعدالتها، ولعل علاقتها القوية بالرئيس جاك شيراك معروفة وكتب عنها كثيرون.
سادساً: كانت ليلى سفيرة لفلسطين في أوروبا في وقت كان ذلك محفوفاً بالخطر، واستشهد وائل زعيتر في روما (1972) ومحمود الهمشري وعز الدين القلق في باريس وسعيد حمامي في لندن ونعيم خضر في بروكسل، وبالتالي كانت مهمتها فدائية بكل معنى الكلمة، وكانت تعد نفسها تلميذة للسفير الشهيد عز الدين القلق.
سابعاً: كانت على علاقة قوية ودافئة التواصل مع الرئيس ياسر عرفات واستقبالها له في أيامه الأخيرة في مستشفى بيرسي العسكري، وحديثها اليومي للإعلام أصبح من موروثنا الوطني المعاصر.
ثامناً: مع ليلى وأثناء عملي كوكيل لوزارة الخارجية تم تشكيل اللجنة الفلسطينية الأوروبية المشتركة، وكانت معي في رام الله لمتابعة كل التفاصيل وإحضار كل الأطراف الفلسطينية ذات الصلة للالتقاء بوفد أوروبي كبير قادم باسم المفوضية الأوروبية في بروكسل عام 2008، ويُسجل لليلى شهيد مأسسة هذه العلاقة.
تاسعاً: ليلى التي ولدت في المنفى (بيروت 13/ 7/ 1949) كانت تحلم بالعودة والاستقرار في فلسطين، وكان صعباً دخولها هنا للمرة الأولى نظراً للمعيقات الاحتلالية، وحتى في آخر لقاء لي معها (أيلول/ سبتمبر 2023 في باريس)، كانت تعبر عن حقها وحلمها بالعودة والتي رحلت دونها".
ويتابع صبح: ليلى شهيد تختزل في مسيرتها تاريخنا المعاصر، فهي مناضلة عنيدة، مثقفة وكانت لديها حجة وقوة إقناع، وهي أيضاً حملت سرديتنا للعالم.
ويختتم صبح حديثه لـ"ے" بالقول: "تبقى ليلى موجودة فينا، أختاً وصديقة ومناضلة وسفيرة في الزمن الصعب".
اهتمام عميق بالشق الثقافي إلى الدبلوماسي
وتحدث الفنان المقدسي أحمد داري عن تجربته الشخصية مع الراحلة ليلى شهيد التي امتدت أكثر من ثلاثين عاماً منذ كانت سفيرة في هولندا، ويقول : "عُرفت باهتمامها العميق بالشق الثقافي الفلسطيني إلى جانب عملها الدبلوماسي. كانت تحرص على الحضور إلى باريس للبحث عن الفنانين الفلسطينيين، ومن بينهم شخصي، حاملةً معها ملفات وفرص مشاركة في مهرجانات موسيقية وفنية ذات بعد إنساني وثقافي".
ويضيف: "كانت إنسانة معطاءة على الدوام، سخّرت موقعها لدعم السينمائيين والموسيقيين والشعراء والكتاب والفنانين التشكيليين، وفتحت أمامهم أبواب المنابر الأوروبية بثقة وإيمان بقدرتهم على تمثيل فلسطين ثقافياً كما سياسياً. بالنسبة لي، كانت ليلى شهيد رمزاً للاهتمام بالثقافة الفلسطينية بوصفها ركيزة أساسية من ركائز الهوية الوطنية، وأداة فاعلة في إيصال الرواية الفلسطينية إلى العالم، ربما بقدر ما كانت دبلوماسية وسياسية، بل وأكثر".
ويتابع: "حين تسلّمت السيدة ليلى شهيد مهامها في باريس عام 1993، كنت آنذاك ناشطاً على رأس اتحاد طلبة فلسطين، وفاعلاً في المشهد الثقافي كموسيقي وفنان فلسطيني. منذ اللحظة الأولى، نشأت بيننا علاقة عمل وثيقة قوامها الثقة والمبادرة. كانت تتواصل معي باستمرار، تقترح نشاطات ومشاركات، بل وتكلّفني بمتابعة ملفات ومهام محددة، رغم أنني لم أكن موظفاً رسمياً في السفارة، وإنما شريكاً ثقافياً تؤمن بدوره".
ويقول داري: "كلّفتني بمتابعة ملفات تتعلق بمؤتمرات وفعاليات كانت تُعقد برعاية اليونسكو حول الفن التشكيلي، والرقص، والموسيقى، والأدب، والسينما الفلسطينية، إيماناً منها بأن الثقافة هي الواجهة الأعمق للقضية الوطنية. وبحكم عملي السابق مع السفير الذي سبقها، خصوصاً في أمسيات جمعت محمود درويش ومارسيل خليفة، طلبت مني أن أستمر في هذا المسار معها، وأن نطوّر الحضور الثقافي الفلسطيني في باريس".
حفل محمود درويش ومارسيل خليفة
ويضيف: عملنا معاً على تنظيم حفل كبير جمع محمود درويش ومارسيل خليفة، وكان ذلك من أبرز المحطات التي عكست رؤيتها لدور الثقافة في العمل الدبلوماسي. ثم توالت الأنشطة والعروض، من بينها فعاليات فنية شارك فيها الشاب خالد وعدد من الموسيقيين والفنانين المعروفين، حيث كانت حريصة على أن تكون فلسطين حاضرة في المشهد الثقافي العربي والدولي من أوسع أبوابه.
ويقول: "بلغت ذروة العمل المشترك مع ليلى شهيد في التحضيرات لإطلاق تظاهرة (الربيع الفلسطيني) في فرنسا، وهي مبادرة وطنية غير مسبوقة آنذاك من حيث الحجم والانتشار. طلبت مني أن أضع الشعار (اللوغو) الخاص بالتظاهرة، وبدأنا العمل معاً على مدى عام كامل للإعداد لبرنامج ثقافي شامل استضاف فعاليات فلسطينية متعددة في مجالات الموسيقى، والمسرح، والسينما، والفن التشكيلي، والأدب، وذلك في عدد من المدن الفرنسية، وعلى مستوى وطني غير مسبوق".
ويتابع: كانت تلك المرة الأولى التي تُنظم فيها في فرنسا تظاهرة بهذا الاتساع مكرّسة بالكامل للثقافة الفلسطينية. وقد فاقت النتائج التوقعات، سواء من حيث الحضور الجماهيري أو التغطية الإعلامية أو مستوى التفاعل الثقافي، ما رسّخ حضور فلسطين في المشهد الثقافي الفرنسي بوصفها ثقافة حية ومتجددة، لا مجرد عنوان سياسي.
ويرى داري أن "الأهمية الاستثنائية لـ"الربيع الفلسطيني" تكمن في أن ليلى شهيد لم تكتفِ بتنظيم فعاليات عابرة، بل اشتغلت على البنية الثقافية العميقة. فقد نجحت في استقطاب دور نشر فرنسية مرموقة لترجمة ونشر أعمال أكثر من أربعين كاتباً وشاعراً فلسطينياً، من أجيال مختلفة، قدامى ومعاصرين، إلى جانب الأسماء التي كانت معروفة نسبياً مثل محمود درويش وسميح القاسم. هذه الترجمات دخلت المكتبات العامة ومكتبات البيع في مختلف المدن الفرنسية، ما أتاح للأدب الفلسطيني أن يصبح متاحاً للقارئ الفرنسي بلغته، وعلى نطاق واسع".
ويضيف: بهذا المعنى، لم يكن "الربيع الفلسطيني" مجرد موسم ثقافي، بل كان مشروعاً استراتيجياً لإدماج الأدب والفن الفلسطينيين في الفضاء الثقافي الفرنسي، وترسيخ الرواية الفلسطينية عبر أدوات المعرفة والجمال، وهو ما يجعل تلك التجربة محطة مفصلية في تاريخ الحضور الثقافي الفلسطيني في أوروبا.
ويتابع داري: "عندما عُيّنتُ نائباً لسفير فلسطين لدى اليونسكو أواخر عام 1996، كانت ليلى شهيد من الداعمين لهذا القرار لدى الرئيس ياسر عرفات، وهو ما فتح مرحلة جديدة من العمل المشترك، أكثر تداخلاً بين الدبلوماسي والثقافي. كانت قد غادرت منصبها في اليونسكو، لكنها بقيت سفيرة لفلسطين في فرنسا، فتقاطعت مساراتنا في مشاريع وفعاليات كبرى، من بينها التحضير لتظاهرات واسعة بمناسبة الذكرى الخمسين للنكبة، إلى جانب مشاركات في مؤتمرات دولية عديدة برفقة الأخت حنان عشراوي وعدد من المسؤولين الفلسطينيين آنذاك".
ويكمل داري: في تلك المرحلة، تعمّق إيمانها بدور الثقافة كرافعة أساسية للدبلوماسية الفلسطينية. كنت أقدم عروضاً موسيقية مع مجموعتي، وكانت تحرص على الحضور والدعم، بل وتبادر بالاتصال لترشيح مهرجانات أو فضاءات جديدة يمكن أن نشارك فيها، ليس لي وحدي بل لعشرات الفنانين والمثقفين الفلسطينيين.
ويشير داري إلى أن "من أجمل محطات تلك التجربة علاقتها بالشاعر محمود درويش. ففي فترة كان يميل فيها إلى العزلة والإقامة شبه الدائمة في منزله بباريس للتفرغ للكتابة، كان لليلى شهيد دور محوري في إخراجه إلى الفضاء الثقافي الأوسع في فرنسا. شجعته، ونسّقت له مشاركات في مهرجانات ولقاءات كبرى، ما أسهم في تعريف شريحة واسعة من المجتمع الفرنسي بشعره وإنتاجه، وتعزيز حضوره في المشهد الثقافي الأوروبي. لقد أدركت مبكراً أن درويش ليس مجرد شاعر فلسطيني، بل قيمة إنسانية عالمية، وأن التعريف به هو جزء من التعريف بفلسطين ذاتها".
دبلوماسية ترى في الثقافة عمق السياسة
ويقول داري: هكذا كانت ليلى شهيد: دبلوماسية ترى في الثقافة عمق السياسة، ومثقفة تؤمن بأن الفن والأدب يصنعان أثراً أبقى من أي خطاب رسمي. تجربتي معها، على امتداد سنوات طويلة، كانت مدرسة في الالتزام، والنزاهة، والعمل الوطني الراقي.
ويختتم الفنان داري حديثه بالقول: "إن ما قدمته ليلى شهيد لفلسطين كان استثنائياً بكل المقاييس. خلال أربعين عاماً من وجودي في هذا الفضاء، لم أشهد سفيراً -في فرنسا أو حتى في أوروبا- استطاع أن يجمع بهذه الحرفية بين السياسة والإعلام والثقافة، وأن يديرها كمسارات متكاملة تخدم الهدف الوطني ذاته. رحمها الله، وجزى مسيرتها الوطنية والثقافية خير الجزاء".
دخلت النقاش الفرنسي كما يدخل شخصٌ بيتاً يعرفه
وتقول الكاتبة مزنة الشهابي، مسؤولة التطوير في المركز العربي للدراسات السياسية- باريس: "في باريس التسعينيات، دخلت ليلى شهيد النقاش الفرنسي كما يدخل شخصٌ بيتاً يعرفه جيداً، لكنّه يصرّ على إعادة ترتيب أثاثه. لم ترفع صوتها. لم تكن بحاجةٍ إلى ذلك. كان يكفي أن تبدأ بالكلام حتى يتغيّر إيقاع الغرفة. أمام السردية الإسرائيلية التي بدت آنذاك كأنها الحقيقة الوحيدة المتاحة، لم تواجهها بالصراخ، بل بالصبر
كانت تُخرج التاريخ من بين الركام، تمسح عنه الغبار، وتضعه أمام محاوريها قطعةً قطعة، كما تُعاد صحون المطبخ إلى أماكنها بعد زلزال. وحين يستقيم المشهد، تسقط الأكاذيب وحدها، من دون أن تدفعها بيدها.
تضيف الشهابي: "كانت تعرف متى تكون محاميةً تدقّق في المفردة، ومتى تكون سياسيةً تُحسن المناورة، ومتى تسمح للشعر أن يتسلّل إلى الجملة لأن الأرقام لا تكفي لقول الحقيقة. خاطبت الغرب بلغته، نعم، لكنها أبقت في نبرتها تلك الخشونة الفلسطينية الخفيفة، تلك الطبقة الداخلية التي تقول: أنا من هناك، من أرضٍ لا تختصرها بيانات وزرائكم. لأن ليلى لم تؤمن يوماً بأن الدبلوماسية تُمارَس في القاعات المكيّفة فقط. كانت تعرف أن الحقيقة لا تُرى من خلف الزجاج. لذلك كانت تأخذ الدبلوماسيين الأوروبيين إلى الأرض المحتلة، إلى الطرق التي تتكسّر عند الحواجز، إلى المدن التي تُقاس مسافاتها بالانتظار لا بالكيلومترات".
لم تكن مجرد سفيرة
وتابعت الشهابي تقول: "بالنسبة لي، لم تكن ليلى مجرد سفيرة. كانت اليد التي امتدّت نحوي حين شعرتُ أن باريس تضيق، وأن المدينة التي تعد بالحرية يمكن أن تتحوّل إلى متاهة بيروقراطية خانقة. وصلتُ إليها أمّاً لطفلين صغيرين، عاجزةً عن العمل لأنني لم أجد لهما مكاناً في حضانة. قلتُ لها ذلك كما يُقال سرٌّ صغير. لم تواسِني بالكلمات. تحرّكت. طلبت من ستيفان هيسيل أن يكتب رسالة إلى رئيس البلدية. وهيسيل لم يكن اسماً عادياً في الحياة الفرنسية: كان من رجال المقاومة ضد النازية، ومن المساهمين في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وصوتاً أخلاقياً يحظى باحترامٍ نادر. حين يكتب، لا يكتب حبراً فقط، بل يكتب تاريخاً".
وتشير الشهابي إلى أنه بفضل تلك الرسالة، فُتح الباب. حصل أطفالي على مكان في الحضانة. لم تقل لي ليلى إنها فعلت شيئاً استثنائياً. تصرّفت كما لو أن الأمر بديهي. هكذا كانت تفهم السياسة: أن تبدأ من حاجة إنسانٍ محدّد، لا من شعارٍ معلّق.
وتضيف: غير أن اللحظة التي فهمتُ فيها طريقتها تماماً لم تكن في باريس، بل في الطريق إلى حاجز قلنديا. كنّا في حافلةٍ مع وفدٍ أوروبي. كانت تقف في الممرّ، تمسك الميكروفون، تشرح الخرائط التي تحوّلت إلى جدران، والاتفاقيات التي صارت نقاط تفتيش. كان الشرح دقيقاً، بارداً بما يكفي ليبدو عقلانياً.
وتتابع الشهابي: ثم التفتت نحوي فجأة. ناولتني الميكروفون وقالت: مزنة، احكي... في تلك اللحظة، سقطت كلّ التعريفات. لم أكن باحثةً ولا مستشارة. كنت امرأة تنتظر على حاجز الاحتلال. تحدثتُ عن الساعات الطويلة، عن التفتيش، عن جرائم الاحتلال، عن زوجي الفرنسي الذي يعبر بلوحته الصفراء فيما أبقى أنا خلف الجدار. عن الحرية التي يمكن أن تختصر في لونٍ معدني صغير. تغيّر الصمت في الحافلة. لم يعد صمتَ لباقة، بل صمت مواجهة".
وتختتم الشهابي حديثها بالقول: "ليلى لم تُضف شيئاً. كانت تعرف أن التجربة حين تُقال من داخلها تصبح أبلغ من أي بيان. كانت تنقل السياسة من التجريد إلى الجسد، من المفهوم إلى الألم الملموس. كانت أنيقة وذكية، تعرف جيداً كيف يتحرّك المجتمع الفرنسي، لكنها لم تذب فيه. ظلّت تحمل فلسطين كما يحمل المرء ظلّه. تستطيع أن تكون صارمة في نقاشٍ تلفزيوني، ثم تعود في المساء لتضحك وهي تحكي عن أمّها التي تخاف من زاوية كاميرا لا ترحم. في هذا التوتر بين العام والحميمي، بين المنبر والمطبخ، كانت ليلى كما هي: امرأة كاملة، لا تختصرها صفة سفيرة، ولا تختزلها صورة".
السفيرة التي غيّرت مسار حياتي
ويقول ساري حنفي، الجامعة الأمريكية في بيروت: "أسدت إليّ يومًا خدمة لا تُنسى، يوم كنت طالب دكتوراه في باريس في بدء التسعينيات، أتعثر بين أبواب السفارات وأوراق المعاملات. كنت في أمسّ الحاجة إلى تأشيرة دخول إلى مصر مستخدمًا وثيقة سفري الفلسطينية لإجراء عمل ميداني، وكانت المهمة تبدو شبه مستحيلة. في تلك الفترة، كانت ليلى شهيد تترأس بعثة فلسطين لدى جامعة الدول العربية. لم تكن تعرفني معرفة شخصية، ومع ذلك رفعت سماعة الهاتف واتصلت بسعيد كمال لتتدخل من أجلي".
ويضيف حنفي: ما زلت أسمع صوتها، حازمًا ودافئًا في آن واحد: "سعيد، هذه خدمة شخصية لي. نحتاج إلى تأمين تأشيرة لساري حنفي. سفارتي ليست مكتب علاقات عامة للسياسيين. إنه طالب لامع". لم نكن قد التقينا إلا لمامًا، لكن منذ تلك اللحظة تقاطعت طرقنا مرارًا في باريس وبيروت، وكأن خيطًا خفيًا نسج بيننا علاقة ثقة ومودّة.
ويتابع حنفي: "توطدت علاقتنا مع الزمن، وصارت تعرفني أكثر. كنت آنذاك رئيسًا للاتحاد العام لطلبة فلسطين في فرنسا، وعلى صلة وثيقة بشبكات التضامن الفرنسية مع القضية الفلسطينية، فكانت تعتمد عليّ بين الحين والآخر لإلقاء محاضرات في غرب فرنسا، حيث كنت أقيم في مدينة نانت. غير أن دعوة واحدة، في صيف عام 1995، غيّرت مجرى حياتي بأكمله".
ويشير إلى أنه "في حزيران من ذلك العام، وفي أوج عملية "السلام" في أوسلو، دعت بلدية مدينة روزي (Rezé) -وهي بلدة صغيرة مجاورة لنانت- ليلى شهيد للمشاركة في ندوة مع دبلوماسي إسرائيلي حول الصراع العربي- الإسرائيلي. كانت منشغلة، فاقترحت أن أمثلها. قبلت الدعوة، لكنني أوضحت لها أنني سأتحدث باسمي كمثقف فلسطيني مستقل، لا باسمها ولا باسم منظمة التحرير الفلسطينية. ابتسمت وقبلت شرطي. كانت الندوة محتدمة، ودار نقاش حاد بيني وبين الدبلوماسي الإسرائيلي. حافظتُ على هدوئي، فيما ارتفع صوته واشتد انفعاله. بدا الفارق واضحًا، وقد أعجب رئيس البلدية بذلك التباين بين سكينة الحجة وصخب الخطاب".
ويقول حنفي: "انتهت الأمسية بعشاء رسمي، وفي ختامه سلّمني رئيس البلدية بطاقته وسألني إن كنت بحاجة إلى أي مساعدة. أخبرته أن طلبي للحصول على الجنسية الفرنسية رُفض قبل فترة قصيرة لأسباب سياسية. ابتسم وقال إن حظي طيب: فمركز معالجة طلبات الجنسية يقع في مدينته روزي، وقد تقدم بطلب لتوسعة مقره، لكنه لن يمنحهم الترخيص ما لم يُعاد النظر في ملفي".
ويضيف: طلب مني أن أكتب رسالة التماس لإعادة دراسة طلبي. لم تمضِ أكثر من ستة أسابيع حتى وصلني قرار منح الجنسية الفرنسية. يومها أخبرت ليلى لأشكرها على الدور غير المباشر الذي لعبته في هذه النتيجة. أذكر فرحتها الغامرة، وكيف ضمّتني وكأنها هي من نال الجنسية. كانت ترى في نجاح الآخرين امتدادًا لنضالها.
ويضيف حنفي: لقد غيّرت تلك الجنسية حياتي على نحو عميق: من عملي في رام الله، إلى حرية التنقل، وصولًا إلى مسيرتي الأكاديمية في الجامعة الأميركية في بيروت. فالعنصرية المؤسسية في لبنان نادرًا ما تسمح لفلسطيني مثلي بالعمل هناك. هكذا، وبفعل مبادرة كريمة لم تكن تبحث عن مقابل، فتحت لي ليلى أبوابًا لم أكن لأطرقها وحدي.
ويتابع: مضت السنوات، وأصبحت ليلى سفيرة في بروكسل. كنت أحرص على متابعة مقابلاتها في الإعلام الفرنسي والأوروبي، مستمتعًا بصلابة خطابها ونبرتها التي كانت تختزن ألم فلسطين وأملها معًا. كانت من قلائل الدبلوماسيين الفلسطينيين الذين جمعوا بين الحنكة والالتزام الأخلاقي العميق. كنت كلما شاهدت لها مقابلة، أبعث إليها رسالة إعجاب، مباشرة أو عبر صديقينا العزيزين الفنان أحمد داري أو السفير الفلسطيني في مالي حسان بلعاوي، الذي كان يتنقل بين فرنسا وبلجيكا.
ويضيف: عندما انتقلت إلى بيروت، صارت تحرص على حضور فعاليات مركز دراسات الشرق الأوسط والعالم العربي في الجامعة الأمريكية في بيروت، وكانت تقول لي دائمًا بابتسامتها المعهودة: "أبقِني على قائمتك البريدية".
ويختتم حنفي حديثه بالقول: "جسّدت ليلى شهيد الكرامة في أبهى صورها، والذكاء في أصفى تجلياته، والالتزام الراسخ بفلسطين في كل تفاصيل حياتها. لم تكن دبلوماسية فحسب، بل كانت ضميرًا حيًا وصوتًا نقيًا في زمن الضجيج. سنفتقدكِ كثيرًا يا ليلى. رحمكِ الله، وطيب ثراكِ".
حملت القضية في قلبها وعقلها
تقول رانية إلياس، مستشارة إدارية مستقلة في مجالي الفنون والتنمية الثقافية: "ليلى الجميلة.. حملت القضية في قلبها وعقلها، ومثّلتها في أرفع المحافل بكل ما أوتيت من حضور ووعي وثقافة. خسارتها ليست عابرة، بل موجعة لكل فلسطيني وفلسطينية. كان لها حضور آسر، وصوت واثق، وإتقان لافت للغات، خصوصا الفرنسية التي تحدثتها بطلاقة وأناقة. كانت عميقة الثقافة، قريبة من الناس، شغوفة بالفن والحياة، ونسجت شبكة علاقات واسعة في وقت كانت فيه الكلمة الصادقة تُحدث فرقا حقيقياً".
وتضيف الياس: "أحتفظ بذكريات لا تنسى في باريس، وأجملها تلك الجولة عام 2012 برفقة مجموعة من النساء الفلسطينيات، حين تنقلنا للحديث عن واقعنا ضمن فعالية La Palestine au Féminin التي نظمها ماجد بامية و Generation Palestine. كانت أياما مميزة بين لوكسمبورغ وبلجيكا، حملنا فيها صوت نساء فلسطين، وبقيت تلك الرحلة محفورة في الذاكرة بفضل حضورها الدافئ وروحها المتقدة".
وتشير إلياس إلى أن ليلى كانت متواضعة، عاشقة للحياة، جميلة الروح، لبقة، أنيقة في حديثها كما في مواقفها.
وتقول إلياس في ختام حديثها: "سلامٌ لروحكِ يا ليلى، وستبقين في الذاكرة كما كنتِ دائماً: مشرقة وقريبة".
المصدر:
القدس