لم تكن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها السفير الأمريكي لدى الاحتلال، مايك هاكابي، بشأن ما يسمى 'حق إسرائيل' في التوسع الجغرافي بين الفرات والنيل، مجرد هفوة عابرة أو زلة لسان غير مقصودة. فالسفير الذي ينتمي للتيار المعمداني الإنجيلي، يستند في مواقفه السياسية إلى رؤى توراتية متجذرة، وقد أكد صراحة في مقابلات إعلامية أن مرجعيته تعود لنصوص دينية في سفر التكوين.
ويتبنى هاكابي خطاباً يرفض فيه الاعتراف بوجود احتلال إسرائيلي للضفة الغربية، مفضلاً استخدام المصطلحات التوراتية مثل 'يهودا والسامرة'. ويرى السفير الأمريكي أن للكيان الصهيوني ما يشبه 'صك ملكية' تاريخي وديني في هذه الأراضي، وهو موقف يتجاوز حتى الخطوط الدبلوماسية التقليدية التي حاولت الإدارات الأمريكية السابقة الحفاظ عليها ظاهرياً.
إن اختيار الرئيس ترامب لهاكابي لهذا المنصب الحساس يعكس إدراكاً كاملاً لخلفيته الأيديولوجية وأنشطته الطويلة في دعم الاستيطان. فهاكابي ليس وجهاً جديداً على الساحة السياسية، بل هو حاكم سابق لولاية أركنساس ومرشح رئاسي سابق، وقد أعاد التأكيد على قناعاته هذه خلال جلسات الاستماع في الكونغرس قبل تثبيته في منصبه.
وفي محاولة لامتصاص الغضب الدبلوماسي، ادعت الخارجية الأمريكية أن ما صدر عن هاكابي يمثل 'رأياً شخصياً' ولا يعكس السياسة الرسمية للولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن بقاء السفير في منصبه دون أي إجراء عقابي أو توبيخ رسمي يشير إلى وجود غطاء سياسي لهذه التوجهات، خاصة وأنه أدلى بتصريحاته وهو على رأس عمله في قلب الحدث.
ويطرح المراقبون تساؤلاً جوهرياً حول ازدواجية المعايير الأمريكية في التعامل مع 'الآراء الشخصية' للدبلوماسيين. فلو أن سفيراً أمريكياً عبر عن إيمانه بأن فلسطين أرض عربية من النهر إلى البحر، لكان مصيره الإقالة الفورية والتنكيل السياسي، مما يؤكد أن تصريحات هاكابي تتماشى مع هوى المنظومة الحاكمة الحالية في واشنطن.
إن سلوك هاكابي يمثل انعكاساً للميول المسيحية الصهيونية التي تهيمن على فريق الرئيس ترامب، وليست مجرد تصرفات فردية معزولة. فترامب نفسه صرح في مناسبات عدة بأن مساحة 'إسرائيل' الحالية تبدو صغيرة مقارنة بما تستحقه، وهو ما يتقاطع مع رؤية اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يسعى لفرض واقع جديد على الأرض.
وتظهر ملامح هذه السياسة في عدم اعتراف الإدارة الحالية بحل الدولتين أو احترام اتفاقات أوسلو والقرارات الدولية ذات الصلة. بل ذهب ترامب إلى أبعد من ذلك بدعم الاستيطان علانية ودعوة قادة المستوطنين لحفل تنصيبه، بالإضافة إلى طرح أفكار تتعلق بتهجير سكان قطاع غزة تحت غطاء 'الحلول العملية' لإنهاء الحرب.
وتتوافق هذه التصريحات الأمريكية بشكل كامل مع الأجندة العنصرية التوسعية للحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تُعد الأكثر تطرفاً في تاريخ الكيان. حيث تسعى حكومة نتنياهو وسموتريتش إلى حسم الصراع في القدس والضفة الغربية عبر إجراءات الضم الرسمي، مستفيدة من الغطاء السياسي الذي توفره الشخصيات الإنجيلية في واشنطن.
ويبدو أن هناك مساعي حثيثة لاصطناع أجواء دولية تنقل مسألة 'إسرائيل الكبرى' من دائرة الأحلام والأدبيات الدينية إلى مشاريع سياسية قابلة للتفاوض. الهدف من هذه التصريحات المتكررة هو تعويد المجتمع الدولي والبيئات الحاكمة على هذه الأطروحات، تمهيداً لتحويلها إلى واقع سياسي مفروض يتجاوز الحقوق الفلسطينية المشروعة.
هذا المسار يشمل أيضاً محاولات تفكيك السلطة الفلسطينية وشرعنة التهجير، في ظل تجاهل واضح للمواقف الرسمية العربية التي يتم التعامل معها كعقبات ثانوية. وتدرك الدوائر الصهيونية والأمريكية أن ردود الفعل العربية غالباً ما تظل في إطار 'الظاهرة الصوتية' والاحتجاجات الدبلوماسية التي لا تؤثر على جوهر المخططات التوسعية.
إن تصريحات هاكابي تضرب في صميم الأمن القومي العربي، وتستهدف هوية المنطقة ومقدساتها بشكل مباشر. وبالرغم من خطورة هذه الطروحات، إلا أن الموقف العربي والإسلامي الجماعي لم يتجاوز حتى الآن إصدار بيانات التنديد، وهو ما يمنح المشروع الصهيوني الأمريكي الضوء الأخضر للمضي قدماً في تنفيذ أجندته.
المطلوب اليوم هو تعامل جدي مع هذه التصريحات ووضعها في سياقها الاستراتيجي الصحيح كجزء من مشروع تصفية القضية الفلسطينية. فالأنظمة العربية مطالبة بإدراك أن الاستهداف لن يتوقف عند حدود فلسطين، بل سيطال أمنها القومي ووجودها، بغض النظر عن مستويات التطبيع أو التنسيق الأمني مع القوى الكبرى.
وفي الختام، فإن استمرار غياب المراجعة الحقيقية للسياسات العربية الرسمية سيؤدي إلى مزيد من التمدد الصهيوني في المنطقة. إن حالة الاحتقان الشعبي المتزايدة والشعور بعدم الأمان تجاه السياسات الأمريكية تتطلب اصطفافاً جديداً يحمي الأرض والمقدسات، ويعيد البوصلة نحو مواجهة المشاريع التي تستهدف تصفية الوجود الفلسطيني والعربي.
المصدر:
القدس