غزة- مراسل القدس الخاص- يشهد قطاع غزة خلال الأسابيع الأخيرة تصعيدًا عسكريًا متدرجًا اتخذ طابعًا منهجيًا ومتسعًا، متجاوزًا إطار العمليات المحدودة أو الردود الموضعية، ليعكس ملامح استراتيجية أمنية جديدة تسعى من خلالها إسرائيل إلى إعادة هندسة المشهد الميداني وفرض معادلات أمنية مختلفة بالقوة.
ويتميز هذا التصعيد باتساعه الجغرافي وتكراره الزمني، واستهدافه مناطق متعددة في أنحاء القطاع، بما في ذلك مناطق سكنية ومواقع مدنية، في ظل غياب ضغوط دولية .فاعلة يمكن أن تكبح هذا المسار أو تحدّ من تداعياته.
ويرى مراقبون أن هذا التحول لا يمكن قراءته باعتباره رد فعل عابرًا، بل كجزء من سياسة مدروسة تهدف إلى إعادة تعريف حدود الاشتباك وخلق واقع أمني جديد داخل القطاع.
توسيع "الخط الأصفر"
يتزامن التصعيد مع توسيع ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، في خطوة تعكس سعيًا إسرائيليًا عمليًا لإعادة رسم الحدود الأمنية داخل غزة، وخلق نطاق ميداني أوسع تتحكم به القوات الإسرائيلية.
ويرى محللون أن هذا التوسع يهدف إلى تكريس حرية حركة أكبر لجيش الاحتلال، وتثبيت معادلة ردع جديدة قائمة على الضغط المستمر وتكلفة الاستنزاف.
ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي ذو الفقار سويرجو أن ما يجري يتجاوز إطار "الردود التكتيكية"، ويعكس سياسة تصعيد ممنهجة تستهدف إعادة تشكيل قواعد الاشتباك وفرض وقائع ميدانية تخدم الرؤية الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.
ويشير لـ"ے" إلى أن توسيع "الخط الأصفر" يشكّل أداة مركزية في هذه الاستراتيجية، بما يسمح بفرض قيود إضافية على حركة السكان ويزيد من الضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة.
استهداف الصمود المجتمعي
ولا تقتصر أهداف التصعيد، وفق سويرجو، على البعد العسكري فحسب، بل تمتد إلى محاولة إضعاف صمود السكان عبر توسيع دائرة الاستهداف لتشمل المدنيين والمناطق السكنية، بما يفاقم الأثر النفسي والاجتماعي، ويعمّق حالة القلق وعدم الاستقرار.
ويضيف أن الرسالة الإسرائيلية واضحة: رفع كلفة أي شكل من أشكال المقاومة أو الصمود، في محاولة لدفع الفصائل الفلسطينية إلى تقديم تنازلات سياسية أو عسكرية تحت ضغط ميداني واقتصادي متواصل.
غياب الردع الدولي
من جانبه، يرى المختص في الشأن الإسرائيلي عادل ياسين أن اتساع رقعة الاستهداف يعكس شعورًا إسرائيليًا بغياب ردع دولي فاعل، في ظل صمت أو عجز المجتمع الدولي عن فرض ضغوط حقيقية توقف العمليات العسكرية أو تحد من نطاقها.
وقال ياسين لـ"ے" أن هذا الواقع يمنح إسرائيل هامش مناورة سياسيًا وأمنيًا واسعًا، بدعم أو إشراف غير مباشر من دوائر تنسيق دولية.
ويشير ياسين إلى أن التصعيد يخدم أيضًا أهدافًا سياسية داخلية، خاصة في ظل أجواء انتخابية محتدمة، إذ يُستخدم لإرضاء جمهور اليمين وإظهار استمرار "القبضة الأمنية"، إلى جانب استعادة ثقة مستوطني غلاف غزة بقدرة المؤسسة العسكرية على حمايتهم.
التهدئة على المحك
وحول مستقبل اتفاق التهدئة، يحذر ياسين من أن استمرار الخروقات من شأنه تقويض أي مسار سياسي أو جهود إعادة إعمار جادة، مؤكدًا أن مصير الاتفاق يبقى مرهونًا بمدى جدية الوسطاء والإدارة الأمريكية في إلزام إسرائيل بتعهداتها.
ويرى أن أي تراخٍ في هذا السياق سيُبقي احتمالات الانفجار قائمة، فيما يشكّل الضغط الإقليمي والدولي عاملًا حاسمًا في كبح التصعيد.
ويجمع مراقبون على أن محاولات فرض وقائع دائمة بالقوة في غزة أثبتت تاريخيًا محدودية نتائجها على المدى الطويل، في ظل قدرة المجتمع على التكيف والصمود. وهو ما يجعل أي مكاسب ميدانية عرضة للتآكل مع الزمن، ويبقي المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة بين التصعيد والاحتواء.
وتواصل قوات الاحتلال خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار مع حركة "حماس"، الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من تشرين الأول الماضي. ووفق وزارة الصحة في غزة، بلغ عدد الشهداء والمصابين منذ بدء سريان الاتفاق 615 شهيدًا و1,651 مصابًا، إضافة إلى انتشال 726 شهيدًا من تحت الأنقاض.
المصدر:
القدس