آخر الأخبار

سفير أمريكا وتصريحات التوسع الإسرائيلي: تحليل أبعاد الصهيوني

شارك

لا تزال أصداء تصريحات السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال، مايك هاكابي، تتردد في الأوساط السياسية، بعد حديثه المثير للجدل حول ما أسماه 'حق إسرائيل' في السيطرة على مساحات شاسعة من الشرق الأوسط بناءً على مفاهيم توراتية. ورغم محاولات هاكابي لاحقاً التملص من هذه التصريحات بادعاء أنها أُخرجت من سياقها، إلا أن جوهر حديثه كشف عن عمق التداخل بين الأيديولوجيا الدينية والسياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة.

وفي قراءة تحليلية لما ورد في مقابلة هاكابي الأخيرة، يظهر بوضوح أن السفير لا يتحدث بلسان دبلوماسي تقليدي، بل بلسان مؤمن بالعقيدة الصهيونية المسيحية التي ترى في التوسع الإسرائيلي قدراً محتوماً. هذا التوجه يضع مصداقية الإدارة الأمريكية على المحك، خاصة في ظل ادعاءاتها المتكررة بالسعي لتهدئة التصعيد واحتواء الصراعات الإقليمية، بينما يروج ممثلها الرسمي لرؤية إقصائية.

أحد أبرز جوانب التضليل في خطاب هاكابي تمثل في ادعائه 'ازدهار' الوجود المسيحي تحت سلطة الاحتلال، مستشهداً بأرقام مجردة من سياقها التاريخي. فالحقيقة تشير إلى أن النكبة الفلسطينية عام 1948 أدت إلى تهجير نحو 90 ألف مسيحي فلسطيني، مما قلص وجودهم التاريخي في مدن مثل القدس من 20% إلى نحو 2% فقط في العقود الأخيرة.

لم يتوقف التحريف عند الديموغرافيا، بل امتد ليشمل وقائع تاريخية وقانونية ثابتة، حيث حاول هاكابي إضفاء شرعية قانونية على 'وعد بلفور' في وقت لم تكن فيه بريطانيا تملك أي سلطة قانونية على فلسطين. هذا النوع من إعادة كتابة التاريخ يهدف بالأساس إلى تجريد الفلسطينيين من حقوقهم التاريخية والقانونية في أرضهم، وتحويل الصراع من قضية سياسية إلى وعد لاهوتي.

وفيما يتعلق بالعدوان المستمر على قطاع غزة، حاول السفير الأمريكي تجميل صورة جيش الاحتلال بادعاءات حول 'ضبط النفس'، وهي مزاعم تدحضها الأرقام الموثقة دولياً. فقد بلغت كثافة القصف الإسرائيلي على غزة مستويات غير مسبوقة تاريخياً، حيث تجاوزت كثافة المتفجرات المسقطة على القطاع نظيرتها في حرب فيتنام بنحو 18 ضعفاً، مما أدى لدمار يعادل ستة أضعاف ما أحدثته قنبلة هيروشيما.

إن خطورة تصريحات هاكابي تكمن في قوله 'لا بأس إن استولوا على كل شيء'، وهي عبارة تعكس قبولاً ضمنياً إن لم يكن دعماً صريحاً، لمشروع 'إسرائيل الكبرى'. هذه الرؤية لا تهدد فلسطين وحدها، بل تمتد لتشمل دولاً عربية مجاورة، مما يضع استقرار المنطقة بأكملها في مهب الريح تحت غطاء التفسيرات الدينية المتطرفة.

وتشير مصادر تحليلية إلى أن الصهيونية المسيحية التي يمثلها هاكابي لم تعد فكراً هامشياً، بل باتت محركاً أساسياً في دوائر صنع القرار الأمريكي. هذا التحول يعني أن شرعية الاحتلال في نظر هؤلاء لا تستند إلى مفاوضات أو قوانين دولية، بل إلى عهود توراتية مزعومة تتجاوز الحدود المعترف بها دولياً وتلغي وجود الآخر.

لا بأس إن استولوا على كل شيء؛ هذه الجملة ليست عابرة، بل تختزل رؤية متكاملة لمكانة إسرائيل في الشرق الأوسط ودور واشنطن في تمكينها.

من اللافت أيضاً أن هاكابي، الذي يشكك عادة في بيانات وزارة الصحة في غزة، استخدمها بشكل انتقائي لمحاولة إثبات انخفاض عدد الضحايا المدنيين مقارنة بحروب المدن الأخرى. هذا التناقض الصارخ يعكس رغبة في تطويع الحقائق لخدمة السردية الإسرائيلية، حتى لو أدى ذلك إلى التقليل من شأن الضحايا الذين سقطوا بأسلحة أمريكية الصنع.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، كان الرد الأمريكي على هذه التصريحات باهتاً ومثيراً للريبة، حيث اكتفى المسؤولون بالقول إن الكلام 'اقتطع من سياقه' دون إدانة واضحة لمضمونه التوسعي. هذا الصمت أو 'الاحتواء' يشير إلى أن ما قاله هاكابي قد لا يكون مجرد رأي شخصي، بل هو انعكاس لتوجهات استراتيجية أعمق داخل الإدارة الحالية.

إن محاولة تحويل 'الكتب المقدسة' إلى 'سجل عقاري' لامتلاك الأراضي تمثل ذروة الانهيار السياسي أمام اللاهوت المتطرف، وهو ما يحذر منه مراقبون دوليون. فدمج اليقين الديني مع التفوق العسكري الإسرائيلي يؤدي حتماً إلى صراعات لا تنتهي، حيث تصبح المطالب المتنافسة على 'الأنساب المقدسة' أساساً للسيادة بدلاً من القانون الدولي.

مشروع 'إسرائيل الكبرى' الذي يلمح إليه هاكابي يتضمن في طياته مخططات لتهجير الملايين، وهو ما سيؤدي إلى زعزعة استقرار القارة الأوروبية أيضاً نتيجة موجات النزوح المتوقعة. هذا المشروع لا يحقق الأمن للاحتلال كما يزعم المروجون له، بل يزرع بذور صراع طويل الأمد يمتد أثره إلى المستوى العالمي والقاري.

يرى محللون أن التقارب بين حكومة نتنياهو واليمين الإنجيلي في الولايات المتحدة قد أعاد تشكيل موازين القوى في المنطقة بعيداً عن أطر 'أوسلو' أو 'مدريد'. فاليوم يتم العمل على فرض الهيمنة الإسرائيلية بالقوة العسكرية المفرطة، مع محاولة شرعنة ذلك عبر خطاب ديني يتجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة.

تصريحات نتنياهو المتكررة حول 'تغيير الشرق الأوسط' تتناغم بشكل مريب مع رؤية هاكابي التوسعية، مما يشير إلى وجود مشروع إقليمي متكامل يتم تنفيذه حالياً. في هذا السياق، تصبح الحرب على غزة والعدوان على الجبهات الأخرى مجرد تمهيد لإعادة رسم خارطة المنطقة وفقاً للتصورات الصهيونية المتطرفة المدعومة أمريكياً.

في الختام، فإن مقابلة هاكابي لم تكن مجرد زلة لسان، بل كانت كشفاً صريحاً عن أجندة سياسية تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية. وعندما يطرح سفير دولة عظمى مثل هذه التصورات دون تصحيح حقيقي من دولته، فإن ذلك يؤكد أن المنطقة أمام مرحلة جديدة من المواجهة التي تدمج بين الأطماع الاستعمارية واليقين اللاهوتي المتطرف.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا