تبدي السلطات الجزائرية اهتماماً استثنائياً بزيارة البابا ليو الرابع عشر المرتقبة، والتي تعد الأولى من نوعها في تاريخ البلاد. ويشرف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون شخصياً على كافة التحضيرات اللوجستية والأمنية لضمان إنجاح هذا الحدث التاريخي، الذي يجمع بين البعد الديني والدبلوماسي في آن واحد.
ووفقاً للجدول الزمني الذي أعلنه الفاتيكان، ستبدأ الزيارة في الثالث عشر من أبريل المقبل وتستمر لمدة ثلاثة أيام، حيث سيزور الحبر الأعظم العاصمة الجزائرية ومدينة عنابة شرقي البلاد. وتأتي هذه المحطة ضمن جولة أفريقية واسعة تشمل أيضاً الكاميرون وأنغولا وغينيا الاستوائية، مما يعكس اهتمام الفاتيكان المتزايد بالقارة السمراء.
وتكتسب مدينة عنابة رمزية خاصة في هذه الزيارة، لكونها تحتضن كنيسة القديس أوغسطين، أحد أعظم مفكري المسيحية عبر التاريخ. وكان البابا الحالي قد أعرب منذ تنصيبه في مايو 2025 عن تأثره العميق بمنهج أوغسطين، الذي ولد في مدينة سوق أهراس الجزائرية وعاش في هيبون (عنابة حالياً) قبل ستة عشر قرناً.
وقد عقدت الرئاسة الجزائرية اجتماعات رفيعة المستوى ضمت كبار المسؤولين الأمنيين ووزيري الداخلية والشؤون الدينية لتقييم عمل اللجنة المكلفة بالتحضير. وتعكس هذه التحركات الرسمية رغبة الجزائر في إبراز صورتها كدولة محورية تدعم قيم التسامح والحوار بين الأديان والحضارات المختلفة.
وأكدت مصادر رسمية أن الزيارة تهدف إلى تعزيز روابط الصداقة والثقة بين الجزائر والفاتيكان، وفتح آفاق جديدة للتعاون المشترك. كما يسعى الطرفان من خلال هذا اللقاء إلى بناء رؤية موحدة لمواجهة التحديات الراهنة التي تعترض البشرية، وعلى رأسها قضايا السلم والعدالة الدولية.
ويمثل الفاتيكان في الجزائر حالياً الكاردينال جون بول فيسكو، الذي يعد صوتاً بارزاً للتوجه الإنساني والانفتاحي داخل الكنيسة الكاثوليكية. وقد حصل فيسكو على الجنسية الجزائرية في عام 2021، مما يعزز من متانة الروابط الشخصية والمؤسسية بين الدولة الجزائرية ومركز القرار في الفاتيكان.
ويرى مراقبون أن اختيار البابا للجزائر كوجهة أولى في جولته يعكس تقديراً لمواقفها المتوازنة تجاه القضايا العالمية. كما يشير الانتماء الأوغسطيني للبابا إلى رغبة في العودة إلى الجذور الفكرية للمسيحية اللاتينية التي نشأت وترعرعت في شمال أفريقيا، وتحديداً في الأراضي الجزائرية.
من جانبه، اعتبر بومدين بوزيد، الأمين العام السابق للمجلس الإسلامي الأعلى أن زيارة عنابة تمثل 'حجاً مقدساً' يستحضر المسارات التاريخية للحج المسيحي القديم. وأشار إلى أن البابا يسعى من خلال هذه الخطوة إلى التأكيد على أن الفاتيكان هو صوت للإنسانية جمعاء وليس مجرد ناطق ديني باسم الغرب.
وتتزامن هذه الزيارة مع مواقف واضحة للفاتيكان تجاه القضية الفلسطينية، حيث يدعم البابا حل الدولتين وينتقد العدوان على غزة. كما يبرز اهتمام البابا بملف المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط، الذي وصفه في مناسبات سابقة بأنه أصبح 'قبر الضمير الإنساني' نتيجة المآسي المتكررة.
وتشمل أجندة الزيارة أيضاً ما يعرف بـ 'دبلوماسية المناخ'، حيث يطالب البابا بضرورة تحقيق العدالة المناخية وحماية الطبيعة في القارة الأفريقية. وتنسجم هذه التوجهات مع شعارات الاتحاد الأفريقي التي ركزت في السنوات الأخيرة على حماية البيئة ودفع التعويضات للدول المتضررة من التغير المناخي.
وثمة توقعات قوية بأن تشهد الزيارة إعلان قداسة رهبان 'تبحرين' الذين راحوا ضحية الإرهاب في التسعينيات، إلى جانب القس بيار كلافري. وكان قد تم تطويب هؤلاء الرهبان في مدينة وهران عام 2018، مما يمهد الطريق لرفع مرتبتهم الكنسية خلال الوجود البابوي في الجزائر.
وتستحضر الأوساط الثقافية والدينية في الجزائر مواقف رجال الدين المسيحيين الذين ساندوا الثورة التحريرية واستقلال البلاد، مثل الكاردينال دوفال وهنري تيسييه. وتؤكد هذه الذاكرة المشتركة أن الجزائر ليست في خصومة مع المسيحية، بل تكن احتراماً لمن وقفوا إلى جانب قضاياها العادلة وفقراء شعبها.
وعلى الصعيد الفكري، أعادت الزيارة تسليط الضوء على البحوث العلمية التي تناولت فلسفة ولاهوت القديس أوغسطين في الجزائر. وتعد مؤتمرات المجلس الإسلامي الأعلى وملتقيات سوق أهراس مرجعاً مهماً في هذا السياق، حيث شارك فيها كبار المختصين من مختلف أنحاء العالم لدراسة هذا الإرث الفلسفي.
ختاماً، تمثل زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى الجزائر منعطفاً ديبلوماسياً هاماً يعزز من مكانة البلاد كجسر للتواصل بين ضفتي المتوسط. ومن المتوقع أن تسفر اللقاءات الرسمية عن تفاهمات أعمق بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، بما يخدم قيم السلام والتعايش الإنساني.
المصدر:
القدس