شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن انعقاد الاجتماع الرسمي الأول لـ 'مجلس السلام' برئاسة الرئيس دونالد ترامب، وهو الحدث الذي حظي بمتابعة دقيقة من الأوساط الإسرائيلية. ورغم الأجواء الاحتفالية التي سادت الاجتماع، إلا أن تقارير عبرية حذرت من وجود 'سلسلة ألغام' تكمن خلف التصريحات الرسمية، مما يشير إلى أن ملف غزة لن يغلق بالسرعة التي يتمناها البعض.
واعتبر الكاتب الإسرائيلي عيدان ماراش، في تحليل نشرته صحيفة 'معاريف' أن هذا المجلس الذي ضم قادة من 46 دولة يمثل انعكاساً لحالة التردد الإسرائيلي بشأن 'اليوم التالي' للحرب. وأشار إلى أن خطاب ترامب الذي أعلن فيه انتهاء الحرب بدا وكأنه إعلان نصر مبكر، متجاهلاً التحديات الجوهرية والمعقدة التي لا تزال قائمة على أرض الواقع في قطاع غزة.
وتبرز قضية تشكيل قوة شرطة فلسطينية كأولى الهواجس الأمنية للاحتلال، خاصة بعد إعلان المدير العام للمجلس نيكولاي ملادينوف عن البدء بتجنيد ألفي عنصر أمني. ومن المقرر أن تعمل هذه القوة تحت إشراف لجنة من التكنوقراط لإدارة الشؤون اليومية، وهو ما يثير تساؤلات إسرائيلية حول خلفيات هؤلاء العناصر ومدى ارتباطهم بفصائل المقاومة.
ويرى المحللون في تل أبيب أن هذه الخطوة قد تمنح شرعية متجددة لعناصر معادية تحت غطاء مدني وإنساني، في ظل رؤية واشنطن التي تركز على الجانب الإغاثي. ويشدد الاحتلال على أن الأيديولوجيا التي تغذي المقاومة لا يمكن محوها بإعلانات سياسية، بل تتطلب معالجة أمنية وتوعوية جذرية لا تبدو متوفرة في الطرح الحالي للمجلس.
أما 'حقل الألغام' الثاني فيتمثل في هوية الدول المشاركة في المجلس، وتحديداً قطر وتركيا، اللتين تثيران قلقاً استراتيجياً لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فرغم الدور القطري في ملف الرهائن، إلا أن هناك خشية من استمرار تأثيرها السياسي، بينما يُنظر إلى تركيا بقيادة أردوغان كقوة إقليمية تسعى لملء الفراغ وتعزيز نفوذها في الملف الفلسطيني.
وفيما يتعلق بالمسار السياسي، تبرز مخاوف من عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة عبر 'الباب الخلفي' من خلال لجنة التكنوقراط ومكتب الاتصال مع رام الله. ورغم تأكيدات نتنياهو المتكررة برفض إقامة دولة فلسطينية، إلا أن الصمت الإسرائيلي تجاه هذه الترتيبات الإدارية الجديدة يثير ريبة الأوساط اليمينية التي تخشى 'فلسطنة' القطاع مجدداً.
ومثّل وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بلاده في هذا الاجتماع، في خطوة دبلوماسية وُصفت بأنها ضرورية للحفاظ على التحالف مع إدارة ترامب. ومع ذلك، يرى مراقبون أن الحماس الإسرائيلي للمنتدى يجب أن يكون حذراً، لضمان عدم تقديم تنازلات تمس بما يسمى 'المسؤولية الوطنية' والأمن القومي للاحتلال في المدى البعيد.
ويعتقد الكاتب ماراش أن مجلس السلام لن يكون بديلاً فورياً للمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، ولن ينهي الصراعات التاريخية في المنطقة بلمسة سحرية. لكنه أكد أن غياب رؤية إسرائيلية واضحة لفرض حكومة عسكرية مؤقتة أو تحديد أهداف أمنية قطعية هو ما فتح الباب أمام هذه المبادرات الدولية لتشكيل واقع جديد في غزة.
وتشير القراءة الإسرائيلية للمشهد إلى أن هناك فجوة بين الطموحات الأمريكية في خلق أجواء 'مرحة' للسلام وبين التعقيدات الميدانية في القطاع. فالأمن الإسرائيلي، بحسب وجهة النظر هذه، لا يمكن اختزاله في اجتماعات تعقد في واشنطن أو تصريحات دبلوماسية، بل يتطلب سيطرة فعلية تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية للفصائل.
وفي الختام، يظل 'مجلس السلام' اختباراً حقيقياً لقدرة الأطراف الدولية على فرض تسوية في غزة بعيداً عن الرغبات الإسرائيلية المتشددة. وبينما يسعى ترامب لتسجيل إنجاز سياسي سريع، يراقب الاحتلال بحذر ما يعتبره 'ألغاماً' قد تنفجر في وجهه إذا ما تخلت واشنطن عن المعايير الأمنية الصارمة لصالح الحلول السياسية التكنوقراطية.
المصدر:
القدس