تصاعدت وتيرة القلق في الأوساط السياسية الأردنية عقب القرارات الأخيرة التي اتخذها المجلس الوزاري المصغر للاحتلال (الكابينت) بشأن الضفة الغربية، والتي شملت إلغاء العمل بقانون تسوية الأراضي الأردني لعام 1952. وتأتي هذه الخطوات في ظل تسارع غير مسبوق في وتيرة الاستيطان، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول بدء التنفيذ الفعلي لخريطة الضم التي تتبناها حكومة اليمين المتطرف.
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تمثل أولى خطوات التهجير البطيء للسكان الفلسطينيين عبر مصادرة أراضيهم وتغيير الواقع القانوني والديموغرافي في المنطقة. وقد تحركت عمان دبلوماسياً بشكل مكثف، حيث جدد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني التأكيد على ثوابت الوصاية الهاشمية وموقف المملكة الرافض لأي محاولة لتكريس الاستيطان أو فرض السيادة الإسرائيلية.
وفي سابقة هي الأولى منذ احتلال عام 1967، أعلنت سلطات الاحتلال البدء بتسجيل مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية كـ 'أملاك دولة' أو 'أملاك غائبين'. وتستهدف هذه الخطوة بشكل أساسي المنطقة المصنفة 'ج'، حيث سيتم تسجيل أي أرض لا يستطيع أصحابها إثبات ملكيتها بأوراق رسمية كملك للاحتلال، مما يشرعن عمليات المصادرة الواسعة.
ولم تتوقف القرارات عند هذا الحد، بل أقرت الحكومة الإسرائيلية في الثامن من فبراير الجاري إلغاء القانون الأردني الذي كان يحظر بيع الأراضي لليهود في الضفة الغربية. كما شمل القرار رفع السرية عن سجلات الأراضي وتوسيع صلاحيات الرقابة لتشمل المناطق المصنفة 'أ' و 'ب' الخاضعة إدارياً للسلطة الفلسطينية، في تجاوز صريح للاتفاقيات الموقعة.
من جانبه، حذر وزير الخارجية الأردني الأسبق مروان المعشر من أن الهدف الإستراتيجي للاحتلال يتمثل في تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الأصليين. وأوضح المعشر أن إسرائيل تسعى لفرض واقع جديد يمنع قيام دولة فلسطينية في الضفة أو غزة، خاصة مع تحول الفلسطينيين إلى أغلبية سكانية في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل.
وأشار المعشر إلى أن معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية تتضمن بنداً صريحاً يمنع أي تهجير جماعي للسكان، معتبراً أي محاولة في هذا الاتجاه خرقاً فاضحاً للالتزامات الدولية. وأكد أن الأردن يمتلك الحق في اللجوء إلى المحافل الدولية لمواجهة هذه المخططات التي تسعى لتحويل المدن الفلسطينية إلى جزر معزولة ومحاصرة جغرافياً.
وفي سياق متصل، اعتبر المستشار الأكاديمي محمد أبو رمان أن إلغاء القانون الأردني يمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاقية أوسلو ومعاهدة وادي عربة. وأكد أن هذا التغيير القانوني يمنح الاحتلال مساحة أوسع للسيطرة على الأراضي التي يفتقر أصحابها لأوراق ثبوتية، مما يمهد الطريق لعملية تغيير ديموغرافي خطيرة تهدد استقرار المنطقة.
وأوضح أبو رمان أن الاحتلال يمارس ضغوطاً اقتصادية وسياسية هائلة لدفع الفلسطينيين نحو بيع أراضيهم عبر التضييق المعيشي المستمر. وكان القانون الأردني الملغى يشكل خط دفاع قانوني يجرم تسريب الأراضي، مما يجعل إلغاءه تحولاً دراماتيكياً في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وانعكاساته على الأمن القومي الأردني.
من جهته، وصف عضو مجلس الأعيان الأردني عمر العياصرة الوضع الحالي بحالة القلق الحقيقي، مؤكداً أن سياسات الضم والتضييق تمس 'الشريان الحيوي' للمملكة. وأشار إلى أن التحرك الأردني يتركز حالياً في المسار الدبلوماسي لتنبيه المجتمع الدولي من مخاطر هذه الإجراءات التي قد لا تعلن كقرار رسمي لكنها تمارس فعلياً على الأرض.
وحذر العياصرة من أن تهجير الفلسطينيين وحصرهم في ظروف اقتصادية قاسية يشكل تهديداً مباشراً للجغرافيا والاقتصاد والهوية الأردنية. واعتبر أن تدفق سكان الضفة نحو الأردن، سواء كان تدريجياً أو جماعياً، يهدف في جوهره إلى تصفية القضية الفلسطينية على حساب المصالح الإستراتيجية للدولة الأردنية وأمنها الحيوي.
وتشير التقارير إلى أن التحرك الدبلوماسي الأردني نجح مؤخراً في وضع مخططات الضم والتهجير في صلب الاهتمام العالمي بعد سنوات من التهميش. ومع ذلك، يرى خبراء أن الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية يظل خطوة غير كافية ما لم تقترن بضغط حقيقي لوقف التغول الإسرائيلي في الأراضي المحتلة ومنع انهيار الاتفاقيات القائمة.
ويرى مراقبون أن استمرار الاحتلال في سياسة 'التهجير الناعم' قد يدفع الأردن لاتخاذ إجراءات سيادية قصوى لحماية حدوده وحقوق الفلسطينيين. وتتضمن هذه الخيارات إمكانية إغلاق الحدود لمنع فرض واقع التهجير القسري، والتأكيد على أن الأردن لن يكون وطناً بديلاً أو طرفاً في تصفية الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.
إن التداخل بين العوامل القانونية والاقتصادية في القرارات الإسرائيلية الأخيرة يعكس رغبة في حسم الصراع من طرف واحد بعيداً عن أي مسارات تفاوضية. ويظل الموقف الأردني الصلب هو حجر الزاوية في مواجهة هذه التحديات، حيث تدرك عمان أن أي تغيير في ديموغرافيا الضفة هو تهديد مباشر لكيانها السياسي واستقرارها الداخلي.
ختاماً، يبقى المشهد في الضفة الغربية مفتوحاً على كافة الاحتمالات في ظل حكومة إسرائيلية لا تعترف بالخطوط الحمراء الدولية. وتستمر المصادر الأردنية في التحذير من أن الصمت الدولي تجاه إلغاء القوانين التاريخية ومصادرة الأراضي سيؤدي حتماً إلى انفجار الأوضاع بشكل يصعب السيطرة عليه في المستقبل القريب.
المصدر:
القدس