تمثل صلاة التراويح في فلسطين حالة من التغذية الروحية التي تتجاوز مجرد العبادة لتصبح شكلاً من أشكال الصمود في وجه الظروف السياسية المعقدة. ويبحث المصلون الفلسطينيون دائماً عن الأئمة أصحاب الأصوات المؤثرة التي تلامس القلوب، رغم العوائق التي يضعها الاحتلال الإسرائيلي للحيلولة دون وصول المصلين إلى المسجد الأقصى المبارك.
في مدينة القدس المحتلة، يواجه المصلون تضييقات مشددة تمنع سكان الضفة الغربية من الوصول للأقصى، بينما يعاني المقدسيون من قرارات الإبعاد التعسفية. أما في الضفة الغربية، فتتحول الحركة الليلية للوصول إلى المساجد الكبرى إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر نتيجة الاقتحامات العسكرية المتكررة التي تتزامن أحياناً مع أوقات الصلاة.
أما قطاع غزة المكلوم، فيقدم صورة استثنائية للإصرار، حيث تُقام صلاة التراويح فوق أنقاض المساجد المدمرة أو داخل خيام النزوح المكتظة. وبالرغم من حرب الإبادة المستمرة، لم تتوقف حناجر القراء عن تلاوة القرآن الكريم، مستخدمين أبسط الإمكانيات المتاحة لإحياء شعائر الشهر الفضيل وتثبيت المواطنين.
يبرز الشيخ محمد مصطفى محاميد، ابن مدينة أم الفحم، كأحد أهم الأصوات في الداخل الفلسطيني والمسجد الأقصى المبارك منذ عام 2014. محاميد الذي يجمع بين الصيدلة والشريعة، يحمل إجازات في القراءات السبع، وقد نال المركز الأول في مسابقة 'مزامير داوود' الدولية، ويشتهر بقدرته الفائقة على محاكاة أصوات أئمة الحرم المكي.
وفي مدينة الخليل، يبرز اسم الشيخ معتز أبو سنينة، مدير وإمام الحرم الإبراهيمي الشريف، الذي واجه قرارات الإبعاد الإسرائيلية المتكررة عن المسجد. ورغم القيود التي تمنع آلاف المصلين من الوصول للحرم، يواصل أبو سنينة إمامة المصلين بصوته الندي، متمماً مسيرته العلمية في أصول الدين بجامعة الخليل وممثلاً فلسطين في محافل دولية.
وفي قلب المعاناة بقطاع غزة، يصدح صوت الدكتور حسام النفار في خيمة أقيمت بجوار مسجد الكنز المدمر، حيث يتجمع المئات لسماع تلاوته التي توصف بأنها 'صوت من السماء'. النفار الذي يحمل درجة الدكتوراه من تركيا، يفضل الابتعاد عن الأضواء الإعلامية، مركزاً جهوده على الإمامة والخطابة في ظل الظروف القاسية التي يعيشها القطاع.
كما يعد الشيخ عاهد زينو من القامات القرآنية البارزة في غزة، حيث حصل سابقاً على لقب أندى صوت على مستوى العالم الإسلامي في مسابقة بالمغرب. ويؤم زينو المصلين حالياً فيما تبقى من المسجد العمري الكبير، متحدياً الدمار الذي لحق بهذا المعلم التاريخي، ومحافظاً على دور ديوان القراء المبدعين في فلسطين.
وفي مدينة نابلس بجبل النار، يكتظ مسجد الراشدين بالمصلين خلف الشيخ رياض فهد، الذي أتم حفظ القرآن منذ عام 2002. يتميز فهد بموهبة فريدة في تقليد أصوات كبار القراء العالميين، وقد حصل على مراكز متقدمة في المسابقات المحلية، مما جعله مقصداً للمصلين الباحثين عن الخشوع وجمال التلاوة.
أما المسجد الأقصى، فيرتبط صوت الأذان والإمامة فيه بالشيخ فراس القزاز، الذي نشأ في أروقة المسجد المبارك وتتلمذ على يد كبار القراء المصريين. القزاز الذي بدأ مشواره منذ سن السابعة، أصبح اليوم مؤذناً وإماماً معتمداً في دائرة الأوقاف الإسلامية، مواصلاً إرث عائلته في خدمة القبلة الأولى للمسلمين.
تتنوع خلفيات هؤلاء الأئمة بين الطب والشريعة والعلوم الإسلامية، لكنهم يجتمعون على هدف واحد وهو الحفاظ على الهوية الإسلامية في فلسطين. إن رحلة هؤلاء القراء لم تكن سهلة، بل كانت معبدة بالدراسة والاجتهاد في تحصيل الإجازات القرآنية من كبار علماء القراءات في الأردن ومصر ومكة المكرمة.
تعكس هذه النماذج إصرار الشعب الفلسطيني على ممارسة شعائره الدينية رغم محاولات التغييب والتهجير، حيث تتحول المساجد إلى مراكز للصمود الشعبي. إن الإقبال الكبير على مساجد هؤلاء الأئمة يؤكد حاجة الناس الماسة للسكينة الروحية في ظل الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالأراضي الفلسطينية.
وتشير التقارير الواردة من مصادر محلية إلى أن الاحتلال يحاول دائماً استهداف الرموز الدينية المؤثرة، سواء عبر الاعتقال أو الإبعاد أو التضييق الميداني. ومع ذلك، تظل الحناجر الفلسطينية تصدح بالحق، ويظل صوت القرآن عالياً في مآذن القدس وقرى الضفة وخيام غزة المحاصرة.
إن قصص هؤلاء الأئمة، من أم الفحم شمالاً إلى غزة جنوباً، ترسم لوحة متكاملة من الوحدة الثقافية والدينية للفلسطينيين رغم الحواجز والجدران. فالمقرئ الذي يدرس في نابلس ويؤم في القدس، يجسد الترابط العضوي بين المدن الفلسطينية التي يحاول الاحتلال تمزيق أوصالها.
وفي الختام، يبقى صوت القرآن في فلسطين رسالة حياة وأمل، حيث يلتف المصلون حول أئمتهم في صلاة التراويح والتهجد، مستمدين القوة من آيات الصبر والفرج. هؤلاء القراء ليسوا مجرد أصحاب أصوات جميلة، بل هم حراس للذاكرة والهوية في مواجهة محاولات الطمس والاندثار.
المصدر:
القدس