شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن انطلاق الاجتماع الافتتاحي لـ 'مجلس السلام' برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وبمشاركة ممثلين عن نحو 50 دولة. ووضع ترمب ملف إعادة إعمار قطاع غزة في مقدمة أجندة المجلس، مؤكداً سعيه لتحويل هذه المنصة إلى أداة دولية شاملة لمعالجة النزاعات الكبرى حول العالم.
وأعلن الرئيس الأمريكي عن تخصيص مبلغ 10 مليارات دولار كمساهمة أمريكية أولية لدعم جهود الإعمار، واصفاً هذا المبلغ بالضئيل أمام حجم الدمار الهائل الذي لحق بالقطاع. وأشارت تقارير من البيت الأبيض إلى حشد تعهدات دولية إضافية بلغت نحو 6.5 مليارات دولار، ستُخصص جميعها لصندوق تنمية غزة تحت إشراف البنك الدولي.
ويأتي هذا التحرك المالي في وقت حساس للغاية، حيث لا تزال حركة حماس تحتفظ بالسيطرة على أجزاء من القطاع ولم تبدِ استعداداً كاملاً لنزع سلاحها. وقد وجهت الإدارة الأمريكية إنذاراً نهائياً للحركة بضرورة التخلي عن ترسانتها العسكرية خلال مهلة لا تتجاوز 60 يوماً، محذرة من عواقب وخيمة في حال الرفض.
وفي سياق التهديدات المباشرة، خاطب ترمب الحضور مؤكداً ثقته في التزام حماس بالوعود السابقة لنزع السلاح، لكنه شدد على أن الفشل في التنفيذ سيواجه برد عسكري وسياسي غير مسبوق. وتتزامن هذه التصريحات مع تحذيرات إسرائيلية صريحة بالعودة إلى خيار الحرب الشاملة إذا لم يتم تفكيك القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية.
من جانبه، حذر علي شعث، رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة، من تعقيدات تنفيذ أي خطط إعمار في ظل الانهيار الاقتصادي شبه الكامل والاحتياجات الإنسانية المتفاقمة. وأوضح شعث أن الظروف الميدانية بالغة الصعوبة، حيث دمرت الحرب نحو 90% من البنية التحتية للقطاع، مما يجعل أي جهد دولي يواجه تحديات لوجستية وأمنية هائلة.
وعلى الصعيد التنظيمي، أثار هيكل 'مجلس السلام' جدلاً واسعاً، حيث عين ترمب نفسه رئيساً دائماً للمجلس، وعرض عضوية دائمة للدول التي تساهم بمليار دولار على الأقل. هذا التوجه أثار حفيظة دول أوروبية رأت في المجلس محاولة لتهميش دور الأمم المتحدة وتجاوز صلاحيات المنظمات الدولية التقليدية في إدارة الأزمات.
ولم يقتصر الاجتماع على الشأن الفلسطيني، بل امتد ليشمل الملف الإيراني، حيث منح ترمب طهران مهلة أيام قليلة للتوصل إلى 'صفقة مجدية'. وهدد الرئيس الأمريكي إيران بمواجهة 'تداعيات سيئة' إذا لم تستجب للمطالب الأمريكية المتعلقة ببرنامجها النووي وصواريخها الباليستية ودعمها للجماعات المسلحة في المنطقة.
وكشفت مصادر مطلعة أن 26 دولة فقط وقعت على ميثاق المجلس خلال الاجتماع، بينما فضلت دول أخرى التريث لمراقبة تطورات الأحداث. ولوّح ترمب بفرض ضغوط غير مباشرة على الدول المترددة، معرباً عن قناعته بأن الجميع سينضم في نهاية المطاف إلى هذا الإطار القيادي الجديد الذي يتبناه.
وشهد الاجتماع انقساماً دولياً واضحاً، حيث استغل قادة مثل رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف المنصة للإشادة برؤية ترمب. وفي المقابل، غابت قوى كبرى مثل فرنسا وبريطانيا وروسيا والصين عن المشهد، معبرة عن مخاوفها من تقويض النظام الدولي القائم على التعددية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بتنفيذ 80% من بنود اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر الماضي، مما يزيد من تعقيد مهمة المجلس. كما يغيب عن المجلس أي تمثيل فلسطيني رسمي أو رمزي، رغم أن القضية الفلسطينية تشكل المحور الأساسي لنقاشاته وتعهداته المالية.
وعلى الرغم من إعلان ترمب انتهاء الحرب، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى سقوط أكثر من 72 ألف شهيد وحاجة القطاع إلى نحو 70 مليار دولار لإعادة الإعمار. وتبرز تساؤلات كبرى حول قدرة 'مجلس السلام' على تحويل هذه الطموحات السياسية إلى نتائج ملموسة تنهي معاناة ملايين الفلسطينيين في غزة.
وفي خطوة عملية أولى، أعلن المجلس عن فتح باب الانتساب لتشكيل قوة شرطة وطنية فلسطينية جديدة، حيث تقدم نحو 1000 شخص في الساعات الأولى. وتأتي هذه الخطوة بالتوازي مع التزام خمس دول بإرسال قوات ضمن 'قوة الاستقرار الدولية' لضمان الأمن في المرحلة الانتقالية التي أقرها مجلس الأمن الدولي.
المصدر:
القدس