آخر الأخبار

مجلس السلام: وعود الإعمار في غزة تصطدم بتعقيدات السياسة

شارك

د. دلال عريقات: هناك خطر بتحوّل الحديث عن إعمار القطاع إلى عملية مماطلة سياسية متعددة الأبعاد وأي طرح دون مسار سياسي واضح سيبقى هشاً

أكرم عطا الله: هناك فجوة كبيرة بين التعهدات المالية المعلنة وحجم الدمار الفعلي في غزة وأي مساهمة محدودة لن تكون كافية لإطلاق عملية إعمار شاملة

د. سهيل دياب: الاجتماع لم يُدعَ استجابة لمسار تفاوضي متقدم بل لاحتواء حالة غضب متصاعدة ما يقلل فرص صدور قرارات تنفيذية ذات أثر فوري

طلال عوكل: المجلس لم يتمكن من تأمين دخول لجنة "التكنوقراط" أو تحسين حركة الأفراد وإدخال المساعدات ما يعكس محدودية تأثيره العملي

د. أمجد شكار: تجارب غزة السابقة أظهرت الإعلان عن خطط إعمار ضخمة بعد كل جولة تصعيد فيما جاء التنفيذ بطيئاً وغير ملزم للاحتلال

نيفين عبد الهادي: نجاح الاجتماع مرهون بالقدرة على تحويل القرارات إلى واقع والضغط على إسرائيل للالتزام بالاتفاقيات وتنفيذ المرحلة الثانية

رام الله - خاص بـ "القدس"-

يتجدد الحديث عن إعادة إعمار قطاع غزة بالتزامن مع انعقاد "مجلس السلام العالمي" في واشنطن، وسط رهانات على أن يشكل الاجتماع نقطة انطلاق نحو مرحلة مختلفة، لكن الطروحات المتداولة تعكس انقساماً حول طبيعة الإعمار: هل سيكون خطوة سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة، أم مجرد استجابة إنسانية محدودة لإدارة تداعياتها؟

ويوضح كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن الأرقام المتداولة بشأن كلفة إعادة البناء تشير إلى احتياجات ضخمة تمتد إلى عشرات المليارات، في مقابل تعهدات أولية لا تبدو كافية لإطلاق عملية شاملة، كما أن ربط التمويل بشروط أمنية وترتيبات سياسية يضع الملف في إطار تفاوضي معقد، يتداخل فيه الإنساني بالاستراتيجي.

ويرون أن غياب توافق دولي واسع، واستمرار الخلافات حول آليات التنفيذ، قد يجعلان من الإعمار مساراً بطيئاً ومحاطاً بالعقبات، ما يثير مخاوف من أن تتحول الوعود إلى خطوات رمزية لا تنعكس سريعاً على واقع السكان في القطاع.



مجلس السلام.. انعقاد في "لحظة مفصلية"


توضح أستاذة الدبلوماسية وحلّ الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية د. دلال عريقات أن اجتماع مجلس السلام ينعقد في "لحظة مفصلية" يُعاد فيها طرح ملف إعادة إعمار غزة بوصفه مدخلاً سياسياً لإدارة الأزمة، لا لمعالجة جذورها البنيوية.

وتوضح عريقات أن النقاش الدولي الدائر يركّز على آليات التمويل وحجم المساهمات، أو نزع سلاح حماس فيما يتم تجاوز السؤال المركزي المتعلق بالإطار السياسي الذي سيُوضع فيه الإعمار، وهل سيُستخدم لتكريس واقع غير عادل أم لفتح أفق سياسي جديد ينهي أسباب الدمار.


إدارة الأزمة لا حلّها


وتبيّن عريقات أن السيناريوهات المحتملة أمام المجتمع الدولي يمكن تلخيصها في ثلاثة مسارات رئيسية، الأول يتمثل في "إدارة الأزمة لا حلّها"، عبر حشد أموال لإعمار جزئي أو إنساني مشروط، من دون أي التزام واضح بإنهاء الاحتلال أو رفع الحصار أو معالجة الأسباب السياسية التي قادت إلى التدمير.

وبحسب عريقات، فإنه في هذا السياق، يتحول قطاع غزة إلى "ملف إغاثي دائم"، وتُختزل القضية الفلسطينية في احتياجات إنسانية آنية، بدل التعامل معها كقضية تحرر وحقوق سياسية.


الإعمار مقابل التهدئة


أما مسار السيناريو الثاني، فتصفه عريقات بـ"الإعمار مقابل التهدئة"، حيث يُربط التمويل بشروط أمنية وسياسية تُفرض على الفلسطينيين.

وترى عريقات أن هذا الطرح يعيد إنتاج منطق العقاب الجماعي والمقايضة على الحقوق، ويحوّل الإعمار إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون خطوة على طريق سلام عادل ومستدام. وتؤكد عريقات أن ربط إعادة البناء باعتبارات أمنية لا يعالج جذور الصراع، بل يكرّس اختلال موازين القوة ويؤسس لدورات تصعيد جديدة.


إدارة للألم" لا استثماراً في السلام


وتشير عريقات إلى أن السيناريو الثالث، وإن كان أقل ترجيحاً، يظل ممكناً في حال توفرت إرادة دولية حقيقية، ويتمثل في ربط الإعمار بمسار سياسي شامل يعالج القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، ورفع الحصار عن غزة، وضمان وحدة التمثيل والقرار الفلسطيني. وتشدد عريقات على أن أي أموال تُضخ خارج هذا الإطار ستبقى مجرد "إدارة للألم" لا استثماراً في السلام.


الإعمار قد يتحول إلى مماطلة سياسية


وتحذر عريقات من خطر تحوّل الحديث عن إعمار قطاع غزة إلى عملية مماطلة سياسية متعددة الأبعاد: زمنية عبر إطلاق وعود كبيرة تُربط لاحقاً بشروط معقدة وإجراءات بيروقراطية تؤجل التنفيذ سنوات؛ وسياسية عبر القفز فوق سؤال الاحتلال والحصار وكأن المشكلة تقنية لا بنيوية؛ وأخلاقية عبر التعامل مع الفلسطيني كمتلقٍ للمساعدات لا كصاحب حق في الحرية والسيادة والتنمية.

وتشير عريقات إلى أن أي عملية إعمار لا تقترن برفع الحصار، وضمان حرية الحركة، وتمكين الفلسطينيين من السيطرة على مواردهم ومعابرهم، وبمسار سياسي واضح ينهي الاحتلال، ستبقى هشة وقابلة للانهيار مع أول جولة تصعيد.

وتشدد عريقات على أن الإعمار الحقيقي لا يقتصر على إعادة بناء الحجر، بل يشمل إعادة بناء الحق في الحياة الآمنة والكرامة والسيادة، وإلا ستستمر الحلقة المفرغة بين الدمار والإعمار بما يخدم إطالة أمد المشروع الاستيطاني الكولونيالي.


الفجوة بين التعهدات المالية وحجم الدمار الفعلي


يرى الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن اجتماع مجلس السلام المقرر الخميس (التاسع عشر من الشهر الجاري) ينعقد في ظل فجوة كبيرة بين التعهدات المالية المعلنة وحجم الدمار الفعلي في قطاع غزة.

ويشير عطا الله إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن استعداد عدد من الدول للمساهمة بنحو 5 مليارات دولار، في حين تتراوح تقديرات كلفة إعادة الإعمار بين 70 و100 مليار دولار، ما يجعل المبلغ المعلن "كسوراً عشرية" قياساً بحجم الاحتياجات الهائلة.

ويوضح عطا الله أن إسرائيل دمّرت بنية قطاع غزة على نطاق واسع، بما يشمل المساكن والبنية التحتية والمرافق الحيوية، الأمر الذي يتطلب عشرات المليارات لإعادة البناء.

ويشير عطا الله إلى أنه وبحسب الأرقام المتداولة، فإن أي مساهمة محدودة لن تكون كافية لإطلاق عملية إعمار شاملة تعيد الحياة إلى طبيعتها.


العقبة الكبرى بالشروط السياسية والأمنية


ويعتقد عطا الله أن العقبة الكبرى لا تقتصر على التمويل، بل تمتد إلى الشروط السياسية والأمنية المرتبطة به، فالدول العربية وضعت شرطين أساسيين: تجريد غزة من سلاحها وانسحاب إسرائيل منها، باعتبار أن الاستثمار في إعادة البناء دون ضمانات تحول دون تجدد الحروب يمثل مخاطرة كبيرة.

إلا أن حركة حماس، وفق عطا الله، من المرجح أن ترفض التخلي عن سلاحها، في حين لا تبدو لدى إسرائيل نية للانسحاب من القطاع.

ويشير عطا الله إلى أن إعادة الإعمار تبدو صعبة في ظل مواقف الأطراف، ولا سيما أن إسرائيل، بوصفها الطرف الأكثر تأثيراً في تقرير مصير غزة، تدفع باتجاه إبقاء الوضع القائم، تمهيداً لما تصفه بمشروع التهجير، وهو مشروع يتناقض جذرياً مع أي مسار جدي لإعادة الإعمار.


انعقاد المجلس لاحتواء حالة غضب متصاعدة،


يقلّل أستاذ العلوم السياسية د. سهيل دياب من فرص تحقيق اختراق حقيقي في اجتماع "مجلس السلام العالمي" المنعقد الخميس، معتبراً أن التعويل الفلسطيني أو الإقليمي أو الدولي عليه "محدود للغاية"، في ضوء طبيعة الملفات المطروحة وتركيبة المشاركين والسياق السياسي الذي جاء فيه.

ويوضح دياب أن انعقاد المجلس جاء أساساً نتيجة ضغط عربي وإسلامي على خلفية مئات الخروقات الإسرائيلية في قطاع غزة، وتعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية من التفاهمات، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية وبدء عمل لجنة "التكنوقراط" الفلسطينية لإدارة الشأن المدني في قطاع غزة.

وبحسب دياب، فإن الاجتماع لم يُدعَ استجابة لمسار تفاوضي متقدم، بل لاحتواء حالة غضب متصاعدة، ما يقلل فرص صدور قرارات تنفيذية ذات أثر فوري.


المجلس كبديل الشرعي الدولية


ويشير دياب إلى أن أربعة من أصل خمس دول دائمة العضوية في مجلس الأمن لا تشارك في الاجتماع، إضافة إلى عدد من الدول الأوروبية الحليفة لإسرائيل.

ويعتبر دياب أن هذا الغياب يعكس نظرة إلى المجلس باعتباره تجاوزاً لمرجعية الأمم المتحدة والشرعية الدولية، ومحاولة لخلق إطار بديل للمؤسسات القائمة.

ويلفت دياب إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسعى إلى تكريس هذا المجلس بديلاً للمؤسسات الدولية، معتبراً أن جدول الأعمال يركّز على قضايا "مؤجلة" وإعلامية، مثل إعادة الإعمار بمبالغ تُطرح كأرقام كبيرة، في حين يتم إغفال القضايا "الآنية والحارقة" التي يمكن اتخاذ قرارات عملية بشأنها فوراً، كوقف الخروقات الإسرائيلية، وإدخال قوات دولية، وبدء الانسحاب الإسرائيلي من غزة، والسماح الفوري بإدخال المساعدات الإنسانية.

ويضرب دياب مثالاً بملف إدخال 200 ألف بيت جاهز إلى القطاع، مؤكداً أن المنازل متوفرة لكن إسرائيل تمنع دخولها، ما يجعل الحديث عن مليارات لإعادة الإعمار في ظل استمرار القيود أقرب إلى "وعود مستقبلية" غير قابلة للتنفيذ في المدى القريب.


دخول لجنة التكنوقراط مؤشر عملي على النوايا الجدية


ويرى دياب أن طرح بدء عمل لجنة "التكنوقراط" الفلسطينية وإدخال أعضائها إلى غزة كان سيُعد مؤشراً عملياً على نوايا جدية، غير أن تغليب الملفات المؤجلة على الإجراءات العاجلة يعني أن الاجتماع يهدف أساساً إلى امتصاص الغضب الشعبي الفلسطيني والعربي والإسلامي إزاء التوحش الإسرائيلي.


غياب الرؤية الشاملة لمعالجة جذور الأزمة


ويوضح دياب أن إدراج ما يجري في الضفة الغربية على جدول النقاش جاء بطلب عربي، وليس كمبادرة أميركية، ما يعزز قناعته بأن الاجتماع لا ينطلق من رؤية شاملة لمعالجة جذور الأزمة.

ويشدد دياب على أن أي ترتيبات تتعلق بغزة تُبحث بمعزل عن إرادة الفلسطينيين وحقهم في الدولة والسيادة وتسوية سياسية عادلة، ستكون محكومة بالفشل.

ويرى دياب أن المجلس لا يُراد له أن يكون منصة خاصة بغزة فحسب، بل إطاراً لرسم خرائط "شرق أوسط جديد" بما يتوافق مع الرؤية الأميركية والإسرائيلية.

ويعتبر دياب أن إشراك رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في هذا المسار، بدلاً من محاسبته أمام القضاء الدولي، يحمل دلالات سياسية عميقة، ويؤشر إلى مسار قد يحوّل المتهم إلى شريك في صياغة الحلول، ما يخفض سقف التوقعات إلى حد كبير بشأن نتائج الاجتماع.


النتيجة بدت مخيّبة


يوضح الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل تشكيل "مجلس السلام" الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنه جاء بعد وقت طويل من الإعلان عنه، وفي إطار محاولة لم تنجح في استقطاب عدد وازن من الدول والقادة المؤثرين دولياً.

وبحسب عوكل، فإن النتيجة بدت مخيبة، إذ اقتصر الحضور الفاعل على المجموعة العربية والإسلامية الشريكة في خطة ترمب، من دون مشاركة دول ذات وزن حقيقي على المستوى الدولي.

ويعتبر عوكل أن الاجتماع بدا أقرب إلى تذكير بوجود المجلس والتوقيع على تفاهمات شكلية، لافتًا إلى أن من أبرز ما ورد في سياق تشكيل المجلس وفق ما صرح به كوشنر هو تأكيد التمسك بهدف تهجير أهالي قطاع غزة، ما يعكس الخلفية السياسية الحاكمة لهذا المسار.

ويشدد عوكل على أن أي تحرك فعلي باتجاه غزة يظل مرهوناً بما تريده إسرائيل وتقرره، بوصفها الجهة التي تتحكم بملء الفراغ على الأرض.

ويشير عوكل إلى أن المجلس لم يتمكن حتى الآن من تأمين دخول لجنة "التكنوقراط" الفلسطينية إلى القطاع، أو تحسين حركة الأفراد عبر معبر رفح، أو إحداث اختراق في ملف إدخال المساعدات، ما يعكس محدودية تأثيره العملي.


تعثر تنفيذ المرحلة الثانية


ويرى عوكل أن تنفيذ المرحلة الثانية من التفاهمات يواجه تعثراً بذريعة مواقف إسرائيلية، ما يجعل الأوضاع في غزة تدور تحت سقف السيطرة الإسرائيلية، في ظل تركيز أميركي على الملف الإيراني.

أما الحديث عن مليارات لإعادة الإعمار، فيعتبره عوكل أقرب إلى "المفارقة"، إذ إن معظم الدول المشاركة لا تملك القدرة المالية الفعلية، فيما يُقصد بالتمويل أساساً دول الخليج خاصة المملكة العربية السعودية، إلى جانب شركات استثمارية أميركية.

ويؤكد عوكل أن هذه الدول تشترط مساراً سياسياً واضحاً، وانسحاباً إسرائيلياً، ودوراً للسلطة الفلسطينية، وهي شروط تصطدم بتعطيل إسرائيلي ودعم أميركي، ما يجعل المماطلة عنوان المرحلة المقبلة.


التمويل كأداة ضغط


يرى أستاذ العلوم السياسية د. أمجد بشكار أن التعهدات المالية المعلنة لإعادة إعمار قطاع غزة، سواء من الولايات المتحدة أو من شركاء إقليميين ودوليين، تبدو كبيرة من حيث الأرقام، إلا أنها ترتبط عملياً بآليات رقابة وإشراف دولي صارمة لضمان عدم توظيف الأموال لصالح المقاومة الفلسطينية.

ويوضح بشكار أن هذا الربط يعكس توجهاً سياسياً وأمنياً واضحاً يجعل من التمويل أداة ضغط، لا مجرد دعم إنساني أو تنموي.


الدفع نحو "تهدئة طويلة"


ويشير بشكار إلى وجود دفع دولي نحو صيغة "تهدئة طويلة" بين إسرائيل والمقاومة في قطاع غزة، قد تتيح إطلاق مشاريع بنية تحتية عاجلة، مثل الكهرباء والمياه والإسكان المؤقت، خلال أشهر، إذا ما توفرت ضمانات أمنية مقبولة للاحتلال.

ويلفت بشكار في المقابل إلى سيناريو موازٍ يقوم على التعطيل والتسييس، في ظل سعي رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وشركائه في اليمين إلى تأجيج الخلافات حول الجهة التي ستتولى إدارة أموال الإعمار، سواء كانت السلطة الفلسطينية أو جهة دولية أو إدارة محلية جديدة.

ويبيّن بشكار أن الحكومة الإسرائيلية تضع اعتراضات جوهرية على آليات الصرف وبعض البنود، مع فرض اشتراطات أمنية مشددة، الأمر الذي قد يقود إلى تجميد التحويلات المالية في المرحلة المقبلة، خاصة في ظل تحفظات عربية وأوروبية محتملة على طبيعة الطرح وأهدافه السياسية.


الإعمار مقابل ترتيبات أمنية


ويعتبر بشكار أن أحد السيناريوهات المطروحة لمخرجات اجتماع مجلس السلام يتمثل في "الإعمار مقابل ترتيبات أمنية"، بما يشمل اشتراط نزع سلاح المقاومة أو إعادة هيكلة المنظومة الأمنية في غزة، بالتوازي مع إدخال قوات دولية للمراقبة بصورة مؤقتة أو انتقالية.

ويرى بشكار بشكار أن التقدم، إن حصل، سيكون تدريجياً وبطيئاً للغاية، نظراً لتعقيد الملف الأمني وعمق الخلافات بشأنه.

ويحذّر بشكار من سيناريو "الإعلان الرمزي"، حيث تُطرح إعلامياً أرقام كبيرة لتمويل الإعمار، بينما يبقى الصرف الفعلي مرهوناً بمؤتمرات لاحقة وتعهدات غير ملزمة، ما يخلق زخماً سياسياً وإعلامياً دون تغيير ميداني سريع.

ويتوقع بشكار إمكانية الوصول إلى حالة "استقرار أمني طويل" نسبياً، بمعنى توقف العمليات البرية الواسعة، لكن مع استمرار احتمالية القصف الإسرائيلي عند أي ذريعة أمنية.

ويشير بشكار إلى أن تجارب غزة السابقة أظهرت الإعلان عن خطط إعمار ضخمة بعد كل جولة تصعيد، بينما جاء التنفيذ بطيئاً وغير ملزم فعلياً للاحتلال، مع استمرار القيود على إدخال مواد البناء.

ويؤكد بشكار أن الخلافات الفلسطينية الداخلية قد تتفاقم على خلفية إدارة الملف، ما يزيد تعقيده.

ويرجّح بشكار أن تتجه الأمور نحو صفقة سياسية أوسع تشمل ترتيبات أمنية وضمانات متبادلة، وقد تفضي إلى مسار إعمار تدريجي يمتد من عام إلى عامين، في حال قبول إسرائيل بذلك.

أما إذا بقي الملف رهين التجاذبات مع الاحتلال، فإن بشكار يرى أنه قد يتحول إلى مسار إغاثي طويل بدلاً من إعادة إعمار حقيقية، في ظل ما وصفه بسعي إسرائيلي للمماطلة.

ويعتقد بشكار أن المشهد قد ينتهي إلى جولة حرب جديدة بعد فترة، معتبراً أن إسرائيل لن تسمح باستقرار دائم في قطاع غزة وفق المعادلات الحالية.


خطوة مهمة على طريق إعادة الاستقرار


تعتبر الكاتبة نيفين عبد الهادي وهي مدير تحرير في جريدة الدستور الأردنية، أن اجتماع مجلس السلام الذي عُقد الخميس، في واشنطن يمثل خطوة مهمة على طريق إعادة الاستقرار إلى قطاع غزة، في ظل دخول سكان القطاع عامهم الثالث من حرب غير مسبوقة في تاريخ البشرية من حيث القسوة وحجم الدمار الذي خلفته. وتؤكد عبد الهادي أن الاجتماع يجسد آمالاً عربية ودولية في أن يحقق السلام، وتهدئة الأوضاع، وتمهيد الطريق لإعادة إعمار غزة، التي لا تزال تعاني من آثار القصف والدمار، حيث ما تزال المنازل مدمرة والمدارس ركاماً والأطفال يواجهون الجوع والمرض ونقص العلاج.

وتوضح عبد الهادي أن مشاركة الأردن عبر نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين، أيمن الصفدي، تحمل رسالة واضحة بأن المجازر قد توقفت، لكن المعاناة لم تنتهِ بعد، مؤكدة أن الاجتماع خطوة مهمة لتطبيق اتفاق غزة الموقّع في شرم الشيخ، والبدء في إعادة الإعمار وتدفق المساعدات دون توقف.


إطار واضح للخطوات المقبلة


وتشير عبد الهادي إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعتزم الإعلان عن مساهمات مالية كبيرة من دول مختلفة لإعمار القطاع، ما يضع إطاراً واضحاً للخطوات المقبلة ويحدّ من أي جدليات حول سيناريوهات محتملة، معتبرة أن هذا السيناريو هو الأوحد عملياً لتحقيق الاستقرار.

وتشدد عبد الهادي على أن النجاح في إعادة الإعمار يتطلب ضغطاً دولياً فاعلاً على إسرائيل، التي لم تتوقف عن القصف والاغتيالات، موجهة تحذيراً بأن استمرار سيطرة الاحتلال على أدوات الحرب يترك الواقع الفلسطيني بين المماطلة والحذر، مؤكدة أن على العالم التحرك فوراً لوقف أي مخاطر قد تنتج عن ضم الضفة الغربية وتقويض حل الدولتين.

وتشير عبد الهادي إلى أن أي إعادة إعمار يجب أن تكون عملية ومؤثرة، بعيداً عن القرارات الشكلية والوعود الإعلامية، وأن يكون الهدف إعادة بناء ما دمرته الحرب، بما يحقق السلام العادل ويضمن حياة كريمة للفلسطينيين.


الإعمار ليس مستحيلاً


وترى عبد الهادي أن عملية الإعمار ليست مستحيلة، وأن الفلسطينيين لطالما تمسكوا بحقهم في أرضهم، لكن بدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة يتطلب تطبيقاً عملياً على الأرض، بما يشمل تسهيل دخول فرق إعادة البناء، وتدفق المواد والمساعدات، ومراقبة التنفيذ لضمان الالتزام بما هو مقرّر.

وتوضح عبد الهادي أن استمرار اليد الإسرائيلية على آلة الحرب يشكل عائقاً خطيراً أمام أي تقدم، مشيرة إلى أن الضغط الدولي يجب أن يوازي أي خطوات إعادة إعمار لضمان وقف أي مجازر محتملة في المستقبل.

وتؤكد عبد الهادي أن اجتماع مجلس السلام خطوة متقدمة، لكنها لن تكون كافية من دون العمل الدولي الفاعل لضمان التنفيذ، معتبرة أن العالم العربي والدولي مطالب بالضغط على إسرائيل ليس فقط للسماح بالإعمار، بل أيضاً لمنع أي تصعيد أو مخاطر قد تنجم عن استمرار الاحتلال على الأرض.

وتشدد عبد الهادي على أن الأمل قائم بتحقيق نتائج عملية على الأرض، حيث أن القادم يجب أن يركز على إعمار ما دمرته إسرائيل، واستقرار غزة، وتأمين حياة كريمة لسكانها، بعيداً عن أي مماطلة أو عرقلة.

وتؤكد عبد الهادي أن نجاح اجتماع مجلس السلام لا يقتصر على الاجتماعات والبيانات، بل على القدرة على تحويل القرارات إلى واقع ملموس على الأرض، مع التركيز على الضغط العملي على إسرائيل للالتزام باتفاقيات شرم الشيخ، وفتح الطريق أمام تنفيذ المرحلة الثانية بشكل كامل، بما يشمل إعادة إعمار غزة، وتحقيق السلام العادل، ومنع انفجار كارثة جديدة في الضفة الغربية، وضمان حقوق الفلسطينيين في دولة مستقلة وسيادة كاملة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا