تواجه التوجهات الأمريكية الرامية لتشكيل قوة شرطة جديدة في قطاع غزة موجة من الانتقادات والتحفظات داخل الأوساط العسكرية الغربية. وتتمحور هذه المخاوف حول نية واشنطن الاعتماد على عناصر تنتمي إلى ميليشيات محلية وعشائرية تُتهم بارتباطات إجرامية وتورط واسع في عمليات نهب المساعدات الإنسانية.
وأفادت مصادر بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب قدمت خططاً مفصلة لإنشاء بنية أمنية تضم أفراداً من فصائل مسلحة مناهضة لحركة حماس. وتشير التقارير إلى أن إسرائيل، التي تدعم هذه المقترحات، قامت بالفعل بتسليح ودعم بعض هذه المجموعات منذ اندلاع المواجهات في أكتوبر 2023 لتعزيز نفوذها الميداني.
وأثارت فكرة دمج هذه الميليشيات في قوة حفظ سلام مدعومة أمريكياً معارضة صريحة من كبار القادة العسكريين في الولايات المتحدة. ويرى هؤلاء القادة أن الاعتماد على مجموعات منظمة وفق خطوط عائلية ولها سجل حافل في الجريمة المنظمة يهدد استقرار أي عملية سياسية مستقبلية في القطاع.
ويعاني المدنيون في غزة من انعدام ثقة عميق تجاه هذه المجموعات المسلحة التي برز دورها مؤخراً في السيطرة على قوافل الإغاثة. واتُهمت هذه الميليشيات بارتكاب انتهاكات جسيمة تشمل القتل والاختطاف، مما يجعل قبولها شعبياً كقوة إنفاذ قانون أمراً شبه مستحيل في ظل الظروف الراهنة.
وتشير المعلومات المسربة إلى أن اثنتين من أبرز الميليشيات المقترحة تضمان عناصر قاتلوا سابقاً في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية 'داعش' في سيناء. هذا الارتباط الإرهابي أثار قلقاً بالغاً لدى الحلفاء الأوروبيين، وتحديداً بريطانيا وفرنسا، اللتين تشاركان في صياغة خطة السلام الأمريكية الموسعة.
وفي سياق متصل، برز اسم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب، كمهندس رئيسي لهذه التحركات التي تهدف لفرض واقع أمني جديد. ويقود كوشنر مشروعاً لإنشاء 'تجمعات سكنية آمنة' في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، بهدف عزل السكان عن نفوذ حركة حماس في المناطق الأخرى.
ويجري حالياً بناء أول هذه التجمعات فوق أنقاض مدينة رفح السابقة، وهي منطقة تخضع لسيطرة ميليشيا تُعرف باسم 'القوات الشعبية'. وتُعد هذه الجماعة من أبرز الفصائل المدعومة إسرائيلياً، رغم تورط قياداتها في قضايا تهريب مخدرات وصراعات داخلية دموية أدت لمقتل زعيمها السابق.
وعلى الرغم من الحديث عن تعهدات مالية تصل إلى 5 مليارات دولار لإعادة الإعمار، إلا أن الخلافات حول تشكيل القوة الأمنية تعيق التقدم. ويشكك مسؤولون غربيون في النهج 'الأيديولوجي' الذي تتبعه الإدارة الأمريكية، محذرين من أن دفع الفلسطينيين للاختيار بين حماس والمجرمين سيؤدي لنتائج كارثية.
وتتضمن الخطة الأمريكية أيضاً مقترحات بتجنيد أفراد سابقين من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في غزة، شريطة خضوعهم لعمليات تدقيق صارمة. ومع ذلك، لا تزال الضبابية تسيلف حول كيفية إقناع هذه العناصر بالعمل تحت مظلة الميليشيات العشائرية المدعومة من الاحتلال.
ومن بين الأسماء المطروحة لقيادة القوة الجديدة، يبرز اسم جمال أبو حسن، المسؤول الأمني السابق في خان يونس. لكن مصادر ميدانية تؤكد أن الشخصيات العشائرية التي تحاول واشنطن تلميعها، مثل حسام الأسطل، لا تحظى بأي شرعية وطنية وتُعتبر أدوات تنسيق مباشرة مع الجيش الإسرائيلي.
وتعيد هذه الخطط للأذهان تجارب سابقة مريرة مع مجموعات مثل عائلة دغمش وجماعة 'جيش الإسلام' التي تورطت في اختطاف صحفيين أجانب. ويخشى مراقبون أن يؤدي تسليح هذه العائلات مجدداً إلى تحويل قطاع غزة إلى ساحة للصراعات الميليشياوية التي تخدم أهداف الاحتلال في تفتيت النسيج الاجتماعي.
وفي ظل تعثر المفاوضات حول نزع سلاح حماس، يبدو أن واشنطن تراهن على 'قوة الاستقرار الدولية' لتكون المظلة العليا فوق الشرطة المحلية. ومن المفترض أن تتولى هذه القوة الدولية التنسيق المباشر مع الجيش الإسرائيلي، مما يكرس واقعاً أمنياً هجيناً يفتقر للسيادة الفلسطينية.
وختاماً، أكد مسؤول في الإدارة الأمريكية أن جهود التخطيط لا تزال مستمرة لتطوير آليات التدقيق الأمني للقوات المقترحة. ورغم حالة التفاؤل التي يبديها البيت الأبيض، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن غزة قد تنزلق نحو فوضى أمنية تقودها عصابات برعاية دولية.
المصدر:
القدس