خلافاً لما يروج له البعض حول تراجع حدة الصراع، لا تزال رحى الحرب دائرة في قطاع غزة بكل ضراوتها، حيث يواصل بنيامين نتنياهو، مدعوماً بتواطؤ واضح من إدارة ترامب، شن اعتداءات واسعة تشمل القصف الممنهج وعمليات الاغتيال التي لا تتوقف. وتتزامن هذه العمليات العسكرية مع حصار خانق يمنع وصول المساعدات الأساسية، مما يترك عشرات الآلاف من المواطنين فريسة لبرد الشتاء القارس ونقص الدواء والكساء.
تفاقمت الأوضاع الإنسانية بشكل ملحوظ عقب فرض شروط تعجيزية على حركة التنقل عبر معبر رفح، حيث قيدت سلطات الاحتلال خروج الجرحى والمرضى بـ 150 شخصاً فقط يومياً، مع مرافقيْن لكل حالة. وفي المقابل، يواجه الراغبون في العودة إلى ديارهم قيوداً أشد، إذ لا يُسمح لأكثر من خمسين شخصاً بالدخول يومياً، وسط تقارير تؤكد تعرضهم لتحقيقات قاسية وعمليات تعذيب ممنهجة.
يرى مراقبون أن غزة لا تزال تعيش حالة حرب حقيقية، بل إن المؤشرات الميدانية تدفع نحو تصعيد أكبر نتيجة سياسات نتنياهو المتصلبة. ورغم مرور عامين من حرب الإبادة والعمليات البرية، إلا أن الاحتلال فشل في تحقيق أهدافه الاستراتيجية المعلنة، وعلى رأسها القضاء التام على المقاومة أو استعادة السيطرة الكاملة على الأرض.
إن عجز جيش الاحتلال عن وقف العمليات القتالية أو القبول بتهدئة دائمة يعكس حجم المأزق الذي يعيشه، خاصة مع استمرار المقاومة في الاحتفاظ بسلاحها وقدرتها على المناورة. ويؤكد الواقع الميداني أن الالتفاف الشعبي حول خيار الصمود لا يزال يشكل العائق الأكبر أمام طموحات الاحتلال في تصفية القضية الفلسطينية عسكرياً.
يعتبر البعض أن سيطرة الجيش الإسرائيلي على نحو 54% من مساحة قطاع غزة إنجازاً عسكرياً، لكن بالنظر إلى الفوارق التكنولوجية والعسكرية الهائلة، فإن هذا الرقم يعد إخفاقاً كبيراً. فجيش يصنف ضمن الأقوى عالمياً لم يستطع بعد عامين من القتال العنيف حسم المعركة في رقعة جغرافية صغيرة ومحاصرة.
إن الفضيحة العسكرية التي يواجهها الاحتلال تتمثل في عدم قدرته على تدمير شبكة الأنفاق أو الوصول إلى بنية المقاومة التحتية بشكل كامل. وهذا العجز يثبت أن القوة العسكرية المفرطة لم تنجح في كسر إرادة الشعب الفلسطيني أو فرض واقع سياسي جديد يتجاوز تطلعاته الوطنية.
من الخطأ الاعتقاد بأن غزة قد خرجت من دائرة الصراع أو أن مرحلة الكفاح المسلح قد انتهت، فالمعطيات تشير إلى أن المقاومة لا تزال فاعلة ومؤثرة. ويجب التريث قبل إطلاق أحكام نهائية حول مصير الترتيبات السياسية التي يحاول ترامب فرضها، خاصة في ظل وجود سلاح المقاومة على الأرض.
تبرز مأثرة إنسانية مذهلة في خضم هذا الدمار، حيث سجل أكثر من ثمانين ألف فلسطيني وفلسطينية أسماءهم للعودة من مصر إلى قطاع غزة. هذه الرغبة الجماعية في العودة إلى مكان يوصف بأنه 'غير صالح للحياة' تعكس ارتباطاً أسطورياً بالأرض يتجاوز كل حسابات الربح والخسارة المادية.
إن العودة إلى بلد مدمر شبه كامل، حيث يعيش الناس في خيام متهالكة تحت وطأة الصقيع والجوع، هي رسالة تحدٍ واضحة للعالم أجمع. هؤلاء العائدون يختارون مواجهة خطر الموت والقصف اليومي على البقاء في المنافي، مما يجسد نموذجاً فريداً من الشجاعة والانتماء الوطني.
يتساءل الكثيرون عن سر هذا الاندفاع نحو غزة رغم انعدام المدارس والمشافي والخدمات الأساسية، والإجابة تكمن في إرادة الصمود التي يمتلكها الغزيون. هذا الفعل الشعبي يستحق تقديراً دولياً واسعاً، بدلاً من سياسات التجاهل أو التواطؤ التي تنتهجها بعض القوى الكبرى.
في الوقت الذي يندفع فيه الشباب والنساء والأطفال نحو وطنهم الجريح، تواصل إدارة ترامب معاداة هذه العظمة الإنسانية عبر دعم آلة الحرب الإسرائيلية. وبدلاً من تقدير هذا النموذج الإنساني، نجد انحيازاً كاملاً لرواية الاحتلال ومحاولاته المستمرة لتهجير الفلسطينيين أو كسر إرادتهم.
إن الصمود الأسطوري الذي تبديه غزة اليوم يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية لوقف هذه الجرائم. فالحقيقة التي يصنعها أهل الأرض بأجسادهم وصبرهم أقوى من أي ترتيبات سياسية تحاول القفز على حقوقهم المشروعة في العيش بكرامة على أرضهم.
ستظل غزة، رغم كل محاولات الإبادة والتجويع، منارة للصمود الإنساني الذي يعجز الطغاة عن فهمه أو استيعابه. وإن مأثرة العودة والتمسك بالبقاء هي الرد العملي والأقوى على كل مخططات التهجير وتصفية القضية التي تُحاك في الغرف المغلقة.
ختاماً، فإن الرهان على تعب الشعب الفلسطيني أو استسلامه هو رهان خاسر أثبتت الأيام بطلانه، فغزة التي تحملت ما يفوق طاقة البشر لا تزال قادرة على العطاء. والمستقبل سيكشف أن إرادة الشعوب هي التي تنتصر في النهاية، مهما بلغت قوة الاحتلال أو حجم التواطؤ الدولي معه.
المصدر:
القدس