تشهد أروقة معبر رفح الحدودي مشاهد إنسانية مؤثرة مع استمرار توافد الفلسطينيين العالقين في الخارج إلى قطاع غزة، في خطوة تعكس إصراراً شعبياً على العودة رغم حجم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب. ومنذ إعادة فتح المعبر في الثاني من فبراير الجاري، تتوالى قصص العائلات التي لم تمنعها سنوات الإبادة أو فقدان المنازل من العودة إلى جذورها، مما يوجه ضربة قوية لمخططات التهجير والاستيطان التي روجت لها أطراف إسرائيلية.
تصف المواطنة فداء عمران لحظة وصولها إلى غزة بأنها استعادة للروح، حيث التم شملها بوالدها في مستشفى ناصر بخان يونس بعد رحلة علاج طويلة في الخارج. وأكدت عمران أن الخدمات المتوفرة في الغربة لم تكن لتعوضها عن دفء الوطن، موجهة نصيحة للفلسطينيين بالتمسك بأرضهم وعدم التفكير في المغادرة، مشددة على أن 'لا مكان أفضل من غزة' رغم قسوة الظروف الراهنة.
من جانبها، كشفت مصادر حكومية في غزة عن وجود عراقيل إسرائيلية متعمدة تهدف إلى إبطاء حركة التنقل عبر المحيث لم يلتزم الاحتلال بالأعداد المتفق عليها بموجب تفاهمات وقف إطلاق النار. وأوضحت المصادر أن الاحتلال يمارس سياسة المماطلة والتنغيص على العائدين، في محاولة يائسة لثنيهم عن العودة إلى القطاع وإبقائهم في حالة من الشتات القسري.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن نحو 80 ألف فلسطيني في الخارج قد سجلوا أسماءهم رسمياً للعودة إلى قطاع غزة، وهو رقم يبعث رسائل سياسية واضحة لصناع القرار في تل أبيب. ويرى مراقبون أن هذا الإقبال الكثيف على العودة، حتى في ظل انعدام مقومات الحياة الأساسية، يمثل إحباطاً للمساعي الإسرائيلية الرامية لإفراغ القطاع من سكانه وتحويله إلى منطقة عازلة أو مستوطنات.
العائدة تهاني عمران روت تفاصيل قاسية عن المعاملة التي تلقاها العائدون من قبل جيش الاحتلال عند المحيث تعرضت للتنكيل والتحقيق لساعات وهي مقيدة اليدين ومعصوبة العينين. وأكدت تهاني أن هذه الإجراءات القمعية تهدف إلى ترهيب الفلسطينيين، لكنها شددت على أن إرادة البقاء أقوى من آلة القمع، قائلة: 'وُلدنا في غزة وسنموت فيها'.
وفي سياق متصل، عبر الشاب حسام المنسي عن فرحته العارمة بلقاء أطفاله السبعة بعد رحلة علاج في مصر، مؤكداً أن تراب غزة يساوي الدنيا وما فيها بالنسبة له. ورغم إشادته بالرعاية الطبية التي تلقاها في المستشفيات المصرية، إلا أنه شدد على أن الشعور بالانتماء للوطن لا يمكن تعويضه، داعياً الجميع إلى الصمود فوق تراب القطاع مهما بلغت التضحيات.
المحلل السياسي إياد القرا اعتبر أن وصول أول فوج من العائدين يمثل 'إفشالاً عملياً' لمشروع التهجير الذي تبنته حكومة الاحتلال بدعم من أطراف دولية. وأوضح القرا أن قرار العودة يحمل بعدين؛ أحدهما إنساني يتعلق بلم شمل العائلات الممزقة، والآخر وطني سياسي ينم عن وعي شعبي عميق بضرورة مواجهة مخططات التصفية العرقية.
وأشار القرا إلى أن التنشئة الوطنية الفلسطينية أثبتت فاعليتها خلال الحرب، حيث أصر النازحون على العودة إلى بيوتهم المدمرة في شمال القطاع فور سريان التهدئة. هذا السلوك الجمعي يعكس فشل الاحتلال في كسر إرادة الفلسطينيين، وهو ما يفسر حالة الانزعاج والانتهاكات التي يمارسها الجيش ضد العائدين عبر معبر رفح في الوقت الحالي.
وتفيد التقارير بأن سلطات الاحتلال حاولت إغراء بعض العائدين بمبالغ مالية مقابل العودة إلى مصر أو التعاون الأمني، إلا أن هذه المحاولات قوبلت برفض قاطع. وتؤكد هذه الشهادات أن الاحتلال يستخدم كافة الوسائل، من الترهيب إلى الترغيب، لتقليص عدد السكان في غزة، لكنه يصطدم في كل مرة بطبيعة الإنسان الفلسطيني المتشبث بأرضه.
على الصعيد الإحصائي، ذكرت مصادر أن نسبة التزام الاحتلال بأعداد المتنقلين عبر المعبر لم تتجاوز 29% خلال الأسبوعين الماضيين، مما يعيق عودة آلاف العالقين. فمن بين 2800 مسافر كان من المفترض عبورهم، لم يتمكن سوى 811 شخصاً من التنقل، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه خروقات الاحتلال المستمرة للاتفاقيات.
وفي ظل هذا الواقع الكارثي، لا يزال هناك أكثر من 22 ألف جريح ومريض في قطاع غزة ينتظرون فرصة السفر لتلقي العلاج الضروري لإنقاذ حياتهم. وتتفاقم هذه الأزمة مع استمرار تدمير 90% من البنية التحتية الصحية والمدنية، مما يجعل من معبر رفح شريان الحياة الوحيد الذي يحاول الاحتلال خنقه بشتى الطرق والوسائل.
وكانت القمة العربية الطارئة قد اعتمدت خطة لإعادة إعمار غزة بتكلفة 53 مليار دولار، تهدف إلى تثبيت الفلسطينيين في أرضهم ومنع أي محاولات للتهجير القسري. وتتضمن الخطة مشاريع تنموية وإسكانية شاملة تمتد لخمس سنوات، إلا أن تنفيذها يظل رهناً بفتح المعابر بشكل دائم ووقف القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول المواد الأساسية.
إن مشاهد العناق والبكاء عند بوابة المعبر تختصر حكاية شعب يرفض الانكسار، حيث يفضل الفلسطينيون العيش في الخيام فوق أنقاض منازلهم على حياة الغربة. هذا الإصرار الشعبي يمثل حائط الصد الأول والأقوى أمام أي مشاريع دولية أو إقليمية تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية عبر بوابة التهجير أو التوطين البديل.
ختاماً، يبقى ملف معبر رفح اختباراً حقيقياً لمدى التزام الأطراف الدولية بضمان حرية الحركة للفلسطينيين، خاصة في ظل الإحصائيات التي تؤكد حجم الكارثة الإنسانية. ومع استمرار تدفق العائدين، يثبت الفلسطينيون يوماً بعد يوم أن الأرض لأصحابها، وأن كل محاولات الاقتلاع لن تزيدهم إلا تمسكاً بهويتهم وحقهم المشروع في العيش فوق ترابهم الوطني.
المصدر:
القدس