آخر الأخبار

ممر نتساريم في غزة: من منطقة عسكرية إلى متنفس شعبي

شارك

يشهد ممر نتساريم، الذي شقه جيش الاحتلال الإسرائيلي ليفصل بين مدينة غزة وشمالها عن وسط القطاع، تحولاً لافتاً في وظيفته الميدانية. فبعد أن كان رمزاً لجرائم الاحتلال خلال حرب الإبادة، بات اليوم مقصداً لمئات الشبان الذين يتجمعون عصر كل يوم جمعة لممارسة هواياتهم.

تتحول الكثبان الرملية المنتشرة على جانبي الطريق العسكري إلى ساحات مفتوحة لاستعراض المهارات في قيادة السيارات والدراجات النارية. وتزدحم المنطقة الساحلية من الممر بالمواطنين الهاربين من قسوة الظروف المعيشية، بحثاً عن لحظات من الترفيه في مكان شهد سابقاً أشد المعارك ضراوة.

ويقارن الشاب وسيم العيسوي بين مشاهد الموت اليومية التي كانت تسيطر على المحور حين كان مصيدة للنازحين والجوعى، وبين الأنشطة الحالية. ويرى العيسوي أن المكان تحول إلى مساحة لتغيير الأجواء القاسية التي يفرضها العيش في الخيام بعد تدمير المنازل الواسع في القطاع.

وأفادت مصادر بأن اتساع المكان يمنح الغزيين شعوراً مؤقتاً بالراحة النفسية، ويساهم في تفريغ الطاقات السلبية المتراكمة. ورغم إدراك الشبان لخطورة الموقع وقربه من نقاط تمركز آليات الاحتلال، إلا أن الرغبة في كسر حالة الحزن تتفوق على المخاوف الأمنية.

ويمتد الممر من شاطئ البحر غرباً وصولاً إلى الحدود الشرقية بطول يصل إلى 6 كيلومترات، وقد أخلاه جيش الاحتلال عقب تفاهمات سياسية. ومع ذلك، لا تزال القوات الإسرائيلية تتمركز في التلال المرتفعة المطلة على امتداد الخط الأصفر، مما يضع المتنزهين تحت أنظار القناصة.

في قلب هذه التجمعات، تبرز حركات استعراضية جريئة لسائقي الدراجات النارية الذين يرفعون مقدمات مركباتهم بسرعة خاطفة. ويحاول السائقون من خلال هذه العروض استبدال الصور المؤلمة المحفورة في ذاكرتهم بمشاهد تدخل السرور على قلوب الحاضرين من مختلف الأعمار.

تاريخياً، ارتبط اسم المنطقة بمستوطنة 'نتساريم' التي أقيمت عام 1972 قبل أن يتم إخلاؤها في عام 2005 ضمن خطة الانسحاب أحادي الجانب. ومع بداية العملية البرية في نوفمبر 2023، أعاد الاحتلال احتلال الأراضي وقطع الطريق تماماً بين شمال القطاع وجنوبه.

اتساع المكان والهواء الطلق يمنحان شعوراً مؤقتاً بالراحة، ويساعدان على التخفيف من حالة الكبت والحزن المتراكمين رغم حساسية الموقع.

خلال أشهر الحرب، حوّل الجيش الإسرائيلي الممر إلى ثكنة عسكرية محصنة استُخدمت لاعتقال النازحين واستهداف كل من يحاول العودة لبيته. وشهدت المنطقة أعمال رصف وبناء طرق خاصة لتسهيل حركة الآليات العسكرية الثقيلة، وسط تصريحات إسرائيلية سابقة بالبقاء الدائم فيه.

تغيرت المعطيات الميدانية عقب اتفاق وقف إطلاق النار في 19 يناير 2025، حيث اضطرت قوات الاحتلال للتراجع عن مواقعها داخل الممر. هذا الانسحاب مكن مئات الآلاف من النازحين من العودة إلى مناطق سكنهم في غزة والشمال، ليعود الممر تدريجياً إلى عهدة الأهالي.

ويقول حامد حسين، أحد المواظبين على الحضور أسبوعياً إن يوم الجمعة أصبح متنفساً لا يمكن الاستغناء عنه لمواجهة ضغوط العمل والحياة. ويوضح أن التجمع في الممر يمثل محاولة لاستعادة جزء بسيط من الحياة الطبيعية التي سلبها القصف والنزوح المستمر.

من جانبه، يرى الشاب خميس العريان أن هذه الفعاليات تمنحه فرصة لتفريغ الطاقة السلبية الناتجة عن عامين من الحرب المستمرة. ويؤكد أن تفاعل الجمهور مع السائقين يعزز الشعور بالروابط الاجتماعية والقدرة على صناعة الفرح رغم الدمار المحيط بالمكان من كل جانب.

وتواجه هذه الهوايات تحديات اقتصادية كبيرة، حيث أشار العريان إلى الارتفاع الجنوني في أسعار الوقود وندرة توفر قطع الغيار. ويمنع الاحتلال إدخال المستلزمات الميكانيكية إلى القطاع، مما يجعل صيانة الدراجات والسيارات مهمة شاقة ومكلفة للغاية على الهواة.

أما أحمد أبو رحمة، الذي يقود سيارته بسرعة في استعراض لافت، فيؤكد أن الأجواء تعكس حاجة الناس الماسة للخروج من دائرة الضغوط اليومية. ويضيف أن رؤية الابتسامات على وجوه الأطفال والشباب تمنحه إحساساً بأن الحياة لا تزال ممكنة في غزة رغم كل الخسارات.

يبقى ممر نتساريم شاهداً على قدرة الفلسطينيين على تطويع الجغرافيا العسكرية وتحويلها إلى فضاءات اجتماعية. فرغم الندوب التي تركتها الحرب في المكان، إلا أن إرادة العيش حولت 'طريق الموت' السابق إلى ساحة تعج بالحياة والأمل في مستقبل أكثر استقراراً.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا