كشف تقرير صحفي دولي عن ملامح استراتيجية إسرائيلية مستحدثة تعتمد على ما وُصف بـ 'هندسة الألوان' لفرض واقع جغرافي جديد في قطاع غزة. تأتي هذه التحركات في وقت يترقب فيه المجتمع الدولي آليات تنفيذ خطة الانسحاب المقترحة، إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى سعي الاحتلال لرسم حدود دائمة تضمن سيطرته الأمنية المطلقة.
تعتمد الخطة الإسرائيلية على تحويل القطاع إلى منطقة منزوعة السلاح بالكامل، مع وضع ترتيبات انتقالية للحكم تحت إشراف هيئة دولية جديدة. ويبرز دور الإدارة الأمريكية الحالية كضامن أساسي لهذه التحولات التي تهدف إلى إعادة صياغة المشهد السياسي والأمني في غزة بما يخدم المصالح الإسرائيلية طويلة الأمد.
أوضح التحقيق أن الاحتلال نجح بالفعل في تثبيت 'الخط الأصفر' الذي يعزل نحو 54% من مساحة القطاع في الجهة الشرقية، محولاً إياها إلى منطقة عسكرية مغلقة. هذا الخط الذي دُعم بكتل خرسانية وتجهيزات تقنية، بات يشكل الحدود الفعلية الجديدة التي تفصل بين مناطق السيطرة العسكرية والمناطق المدنية المكتظة.
برز مؤخراً ما يُعرف بـ 'الخط البرتقالي'، وهو حدود وهمية وغير معلنة رسمياً، لكنها تزحف تدريجياً نحو المناطق الغربية للقطاع. هذا الخط لا يمتلك وجوداً فيزيائياً كالأسلاك الشائكة، بل يتم ترسيمه عبر القوة النارية والاستهداف المباشر لكل من يحاول التواجد في نطاقه، مما يحول المساحات التي كانت تُصنف آمنة إلى مناطق خطر محقق.
نقلت مصادر عن رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، تأكيده أمام الجنود في نهاية عام 2025 أن الخط الأصفر يمثل عقيدة دفاعية وهجومية جديدة. واعتبر زامير أن هذه الحدود هي خط الدفاع الأول عن التجمعات الاستيطانية في الغلاف، وفي الوقت ذاته منطلقاً للعمليات الهجومية داخل عمق ما تبقى من غزة.
يروي شهود عيان وفلسطينيون مهجرون من مناطق شمال القطاع كيف يتم التعرف على إحداثيات هذا الخط البرتقالي من خلال زخات الرصاص وقذائف المدفعية. ويشير المواطنون إلى أن جيش الاحتلال يستخدم الطائرات المسيّرة والدبابات لدفع السكان نحو الغرب كلما اقتربوا من مناطق التماس الوهمية التي يرسمها القادة الميدانيون.
تُظهر صور الأقمار الصناعية الحديثة حجم الدمار الهائل في المناطق الواقعة شرق الخط الأصفر، حيث جرى مسح أحياء كاملة وتحويل المزارع إلى أراضٍ جرداء. ولم يتبقَّ في تلك المساحات الشاسعة سوى 13 نقطة عسكرية محصنة تابعة لجيش الاحتلال، تعمل كقواعد مراقبة وانطلاق للعمليات العسكرية في عمق القطاع.
على الرغم من الأدلة الميدانية الدامغة، ينفي جيش الاحتلال رسمياً وجود أي إجراءات فصل تحت مسمى 'الخط البرتقالي' غرب الخط الأصفر. إلا أن مصادر في هيئات إنسانية دولية أكدت أن الاحتلال فرض خرائط تلزم المنظمات بتنسيق مسبق ومعقد للحركة في تلك المناطق، وهو تنسيق غالباً ما يقابل بالرفض المتعمد.
يؤدي هذا التضييق الممنهج إلى حرمان آلاف المدنيين من وصول المساعدات الإغاثية والخدمات الطبية الأساسية، مما يفاقم من حدة الأزمة الإنسانية. ويجد السكان أنفسهم محاصرين في شريط ضيق يتقلص باستمرار، وسط ركام المنازل والذخائر غير المنفجرة التي تملأ الأزقة والمخيمات المكتظة.
في نهاية المطاف، يواجه الناجون من العمليات العسكرية المستمرة واقعاً مأساوياً يتمثل في حصرهم بين فكي كماشة؛ الدبابات الإسرائيلية التي تزحف من الشرق، وشاطئ البحر من الغرب. إن استراتيجية 'هندسة الألوان' ليست مجرد مصطلحات عسكرية، بل هي أداة فعالة لتقليص الحيز الجغرافي الفلسطيني وتثبيت واقع احتلالي طويل الأمد.
المصدر:
القدس